30‏/04‏/2026

قرار شطب الوكالة التجارية قبل حسم النزاع

 قرار شطب الوكالة التجارية قبل حسم النزاع

ا.د. عبد المؤمن شجاع الدين

الأستاذ بكلية الشريعة والقانون- جامعة صنعاء 

قرار شطب  الوكالة عبارة عن إلغاء للترخيص بمزاولة اعمال الوكالة السابق صدوره من الوزارة باسم الوكيل التجاري، ويؤدي قرار الشطب الى حرمان الوكيل من مزاولة اعمال الوكالة للشركة الاجنبية  وتمكين  الغير من تسجيل الوكالة المشطوبة باسمه  ولذلك فان قرار الشطب يعد الخطوة الاولى لعملية تسجيل الوكالة المشطوبة باسم الغير ، وعلى هذا الاساس لا يجوز صدور قرار الشطب اذا كان هناك نزاع قائم فيما بين الشركة الموكلة ووكيلها المحلي، حسبما قضى الحكم الصادر عن الدائرة التجارية بالمحكمة العليا في جلستها المنعقدة بتاريخ ٩/١/٢٠١١م، في الطعن رقم (٤٢٢٨١)،  فقد ورد ضمن أسباب الحكم المشار اليه : (فما اثاره الطاعن غير صحيح ، لان قضاء الشعبة بتاييد حكم محكمة اول درجة صحيح تطبيقا لأحكام  المادة  (١٩) من قانون الوكالات التجارية التي نصت على انه : ( إذا حدث نزاع  بسبب عقد الوكالة بين الوكيل المحلي والشركة او البيت الاجنبي  الموكل فلا يجوز للإدارة المختصة اعتماد وكيل اخر  بناء على طلب  الموكل إلا  بعد حسم النزاع القائم  سواء  تم ذلك بطريقة ودية او بموجب حكم قضائي )، فدلالة هذا النص  صريحة وقاطعة على صحة قضاء الشعبة ،  وعملا بدلالة النص فانه كان يتعين  على  الوزارة عدم التعجل  وإصدار قرار شطب الوكالة حتى يتم الفصل في النزاع )، وسيكون تعليقنا على هذا الحكم حسبما هو مبين في الأوجه الاتية:

الوجه الاول :  تعريف قرار شطب الوكالة التجارية وحالاته :

قرار شطب الوكالة التجارية يصدر من قبل وزير الاقتصاد او الصناعة والتجارة بناء على طلب مقدم من الوكيل التجاري نفسه او من قبل الشركة  الموكلة  وقد يصدر القرار من غير طلب كما لو صدر ترخيص الوكالة بناء على بيانات كاذبة ،ويصدر قرار الشطب بعد إستكمال الاجراءات اللازمة المحددة في الوزارة.

وقرار شطب  الوكالة عبارة عن إلغاء للترخيص بمزاولة اعمال الوكالة السابق صدوره من الوزارة ، ويؤدي  هذا القرارالى حرمان الوكيل من مزاولة اعمال الوكالة للشركة الاجنبية  كما ان هذا القرار يمهد الطريق لتسجيل الوكالة باسم الغير، ولذلك اجاز القانون للوكيل حق اللجوء الى القضاء في مواجهة قرار شطب الوكالة ، وفي هذا المعنى نصت المادة (١٨) من قانون الوكالات التجارية اليمني على أنه :( يجوز بقرار  من الوزير  شطب الوكالة  المرخص بها  وفقا لاحكام هذا القانون  في الحالات الاتية :

1-                      اذا كان  الترخيص قد منح  بناء  على بيانات كاذبة او معلومات غير صحيحة.

2-                      اذا ترك الوكيل بصفة نهائية ممارسة  النشاط التجاري او انقطع  عن مزاولة النشاط التجاري المرتبط بالسلعة موضوع  الوكالة لمدة سنة دون مبرر مقبول.

3-                      اذا انقضت مدة ثلاث سنوات  متوالية دون ان يقوم الوكيل  بتجديد ترخيص الوكالة.

4-                       إذا اخل الوكيل  بالتزاماته المنصوص عليها في هذا القانون واللوائح والقرارات المنفذة لأحكامه.

5-                       اذا استخدم  الوكيل الترخيص  في غير الاغراض المحددة له ،وفي جميع الاحوال للوكيل الحق في اللجوء الى القضاء).

الوجه الثاني :الإثار المترتبة على قرار شطب الوكالة:

يمنع قانون الوكالات التجارية المزاولة أعمال الوكالات التجارية في اليمن الا بعد تسجيل الوكالة لدى وزارة الاقتصاد او وزارة الصناعة والتجارة، وفي هذا الشأن  نصت المادة (6) من قانون الوكالات على أنه: (لا يجوز مزاولة أعمال وكالة إحدى الشركات أو البيوت الأجنبية في الجمهورية الا بعد الحصول على ترخيص مسبق من وزارة الصناعة).

 وبناء على ذلك فانه  يترتب على قرار الشطب  حرمان  الوكيل من مزاولة اعمال الوكالة ،فاذا صدر قرار شطب الوكالة من غير طلب من الوكيل او موافقته فتترتب على قرار شطب الوكالة اثار واضرار مادية  ومعنوية بالغة  تلحق بالوكيل سيما اذا تم  إتخاذ  قرار الشطب بناء على بيانات ومعلومات غير دقيقة، ومن هذه الاضرار حرمان الوكيل من العمولات والارباح التي يجنيها من اعمال الوكالة إضلفة الاضرار بسمعة الوكيل في ووصمه بالكذب او الاهمال والتقصير في اعماله التجارية، والاهم من هذا وذاك حرمان الوكيل من حقوقه السابقة التي تكون بذمة الشركة الموكلة سيما  ان هذا القرار يمهد الطريق لتسجيل الوكالة باسم الغير.

 ولذلك فقد اجاز النص القانوني السابق ذكره اجاز للوكيل اللجوء الى القضاء لمنع صدور قرار الشطب او إلغاء قرار الشطب اذا كان غير مشروع ، كما ان النص السابق قد حصر حالات صدور قرار الشطب في حالات  محددة حتى لا يمكن تجاوز هذه الحالات او  التعسف في شطب الوكالة.

الوجه الثالث : دلالة نص  المادة (١٩) وكالات على عدم جواز شطب الوكالة قبل حسم النزاع القائم  فيما بين الوكيل والشركة الموكلة:

استند الحكم محل تعليقنا في قضائه الى المادة  (١٩) من قانون الوكالات التجارية التي نصت على انه : ( إذا حدث نزاع  بسبب عقد الوكالة فيما بين الوكيل المحلي والشركة او البيت الاجنبي  الموكل فلا يجوز للإدارة المختصة اعتماد وكيل اخر  بناء على طلب  الموكل إلا  بعد حسم النزاع القائم  سواء  تم ذلك بطريقة ودية او بموجب حكم قضائي ).

وقد ورد ضمن اسباب الحكم محل تعليقنا ان هذا النص يدل على عدم جواز شطب الوكالة اذا كان هناك نزاع قائم فيما بين الوكيل المحلي والشركة  الموكلة إلا بعد حسم هذا النزاع  من قبل القضاء او بطريقة ودية، لان الاثار المترتبة على شطب الوكالة تؤدي الى تسجيل الوكالة باسم الغير ، لان قرار  الشطب يعني تمكين الغير من  تتسجيلها  باسمه، ولذلك لا ينبغي صدور قرار شطب الوكالة قبل حسم النزاع القائم فيما بين الوكيل  والشركة الموكلة حسبما قضى الحكم محل تعليقنا ( التعليق على أحكام المحكمة العليا في مسائل الوكالات التجارية ، ا. د. عبد المؤمن شجاع الدين ، مكتبة الصادق جولة جامعة صنعاء الجديدة ٢٠٢٥م، ص١١٣)، والله أعلم .

 

 

خيار رؤية المبيع في القانون اليمني

 خيار رؤية المبيع في القانون اليمني

ا.د. عبد المؤمن شجاع الدين

الأستاذ بكلية الشريعة والقانون- جامعة صنعاء               

 عرف القانون المدني اليمني خيار الرؤية في المادة(238) التي نصت على ان: (خيار الرؤية هو الحق في امضاء العقد او فسخه بعد رؤية المعقود عليه في عقود المعاوضة المالية وهي الشراء والاجارة وقسمة الاعيان والصلح بمال ، ولا يثبت في العقود التي لا تحتمل الفسخ).

ولاريب ان احكام خيار رؤية المبيع تختلف عن احكام بيع العينة ، حسبما قضى الحكم الصادر عن الدائرة التجارية بالمحكمة العليا في جلستها المنعقدة بتاريخ 18-1-2011م في الطعن رقم (43339)، فقد ورد ضمن أسباب الحكم المشار إليه: (ولما كان البين من الحكم المطعون فيه أنه أسس قضاءه بإلغاء الحكم الابتدائي على ان وقائع العمل الإجرائي امام محكمة أول درجة مشوبة بعيب للخطأ في فهم وقائع النزاع ، حيث أتجه إلى تطبيق نصوص قانونية خاصة ببيع خيار (خيار الرؤية)، ومن ذلك تعيين الخبير لمعاينة البضاعة ، وكأن العلاقة هي علاقة بيع خيار (خيار الرؤية)، في حين أن الثابت من وقائع النزاع أن علاقة البيع  بين الطرفين هي بيع بالعينة، ويؤكد صحة ذلك إفادة المستأنف الطاعن حالياً أن العينة من نفس البضاعة الموجودة في الحوش، وخلص الحكم الاستئنافي المطعون فيه إلى أن النصوص التي تحكم العلاقة بين الطرفين المادتين (476 و 481) مدني الخاصة ببيع العينة، وانتهى الحكم الاستئنافي إلى إبطال الحكم الابتدائي، لذلك فإن ما جاء في حيثيات الحكم الاستئنافي من تأصيل وتأسيس لقضائه يتفق مع صحيح القانون)، وسيكون تعليقنا على هذا الحكم حسبما هو مبين في الأوجه الآتية:

الوجه الاول : تعريف خيار الرؤية:

 يقصد بالخيار: التخيير بين إجازة العقد أو فسخه عند رؤية المعقود عليه،ويقصد بالرؤية: الرؤية التي يدرك بها خصائص المبيع وماهيته بواسطة الحواس كالنظر واللمس والشم والتذوق.

وقد عرف القانون المدني اليمني خيار الرؤية في المادة(238) التي نصت على ان: (خيار الرؤية هو الحق في امضاء العقد او فسخه بعد رؤية المعقود عليه في عقود المعاوضة المالية وهي الشراء والاجارة وقسمة الاعيان والصلح بمال ولا يثبت في العقود التي لا تحتمل الفسخ).

ويذهب الفقه الاسلامي الى تعريف  خيار الرؤية بأنه :حق يثبت للمتملك الفسخ أو الإمضاء عند رؤية محل معين الذي عقد عليه ولم يره  (رفع الحاجب عن مختصر ابن الحاجب في أصول الفقه, الإمام تاج الدين السبكي, دار الكتب العلمية,ص437(

فخيار الرؤية  حق يكون للمتعاقد في فسخ العقد أو إمضائه عند رؤية المحل إذا لم يكن قد راه عند التعاقد، والحكمة التي دعت إلى تقرير هذا الخيار هو ان الشخص قد يضطر إلى شراء شيء غائب عنه لحاجته له وللحيلولة دون ضياع الصفقة ان هو اجل الصفقة لحين رؤية المبيع، وفي الوقت ذاته لو الزمناه به من غير ثبوت الخبار له لألحقنا به الضرر عندما يجد ان الشيء غير موافق لغرضه وغير محقق لمقصده.(فقه المعاملات المالية وتطبيقاتها المعاصرة ، ا .د. عبد المؤمن شجاع الدين ، مكتبة الصادق جولة جامعة صنعاء الجديدة ٢٠٢١م، ص٢٠٨).

الوجه الثاني : حكم خيار الرؤية :

اجاز القانون المدني اليمني خيار الرؤية حسبما  مقرر في المادة(239)  التي نصت على انه : (من تعاقد على ما لم يره فهو مخير عند رؤيته المميزة ان شاء قبل و امضى العقد وان شاء فسخه وله الفسخ قبل الرؤية وعقبها ما لم يسقط حقه او ما لم يرض بعد الرؤية قولا او فعلا, ويثبت الخيار للاعمى بما يقوم مقام الرؤية).

اما عن موقف الفقه الإسلامي من هذا الخيار، فقد اختلف فيه فقهاء المسلمين، فقد  ذهب الشافعية  والحنابلة الى جواز خيار الرؤية ،لان نشأة العقد صحيحا تجعل الكلام عن خيار الرؤية غير ذي جدوى، لكون الأساس في العقد هو الرضا ولا يمكن للإنسان ان يرضى بالشيء من دون رؤيته، فالعقد لا يكون صحيحا إلا إذا كان المعقود عليه معلوما علما يرفع الجهالة، ولذلك فالشيء غير المعلوم الغائب المتعاقد عليه، لأن بيع العين الغائبة عندهم لا يصح سواء كانت العين موصوفة أو غير موصوفة واستدلوا بما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم “لا تبع ما ليس عندك ” وما روي أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن بيع الغرر.

 في حين ذهب الحنفية وبعض الزيدية  الى خيار الرؤية ، ويحتجون لذلك بقوله تعالى (واحل الله البيع ) ، وقد اجازوه في أربعة أنواع من العقود، وهي الشراء والإجارة والقسمة والصلح عن دعوى المال، لكن يشترط لصحة بيع الغائب أن يتم الإشارة إليه أو إلى مكانه وإلا فلا يجوز، وقد استدل الحنفية وبعض الزيدية على خيار الرؤية بالحديث الشريف (من اشترى شيئا لم يره فله الخيار إذا راه)، لأن الجهالة بعد الرؤية لا تفضي إلى المنازعة ،لأنه لو لم يوافقه يرده فصار كجهالة الوصف في المعاين المشار إليه .

وقد اخذ القانون المدني اليمني بقول الحنفية والزيدية حسبما هو ظاهر في المادة(238) التي نصت على ان: (خيار الرؤية هو الحق في امضاء العقد او فسخه بعد رؤية المعقود عليه في عقود المعاوضة المالية وهي الشراء والاجارة وقسمة الاعيان والصلح بمال ولا يثبت في العقود التي لا تحتمل الفسخ)، وكذا المادة(239)  التي نصت على انه : (من تعاقد على ما لم يره فهو مخير عند رؤيته المميزة ان شاء قبل و امضى العقد وان شاء فسخه وله الفسخ قبل الرؤية وعقبها ما لم يسقط حقه او ما لم يرض بعد الرؤية قولا او فعلا, ويثبت الخيار للاعمى بما يقوم مقام الرؤية).

اما المالكية فقد ذهبوا : الى جواز خيار الرؤية إذا اشترطه المتعاقدان في العقد فهو  لا يثبت بالشرع وإنما بالشرط ، بخلاف ما ذهب إليه المذهب الحنفية والزيدية والمالكية  الذين يجيزوا بيع العين الغائبة الموصوفة ، فإن كان المبيع عند الرؤية مطابقا للوصف لزم المشتري المبيع وإن كان غير مطابق للوصف فالمشتري يكون بالخيار حينئذ بين إتمام العقد أو فسخه.

الوجه الثالث :  المقصود بالرؤية :

المقصود بالرؤية عند فقهاء المسلمين ليس الأبصار فقط بل هي اعم من  ذلك، فهي تعني المعاينة بالحس سواء كان بالبصر أم غيره كالشم بالمشمومات والذوق في المذوقات أو الحس في الأشياء التي لا تعرف إلا بالحس، ولذلك فمعاينة هذه الأشياء بتلك الحواس رؤية فخيار الأعمى متحقق إذا اكتفى بمعاينة المشمومات والمذوقات التي تعرف بالحس والذي يعرف بالبصر يوصف له، ويرى جانب من الفقه ان الأعمى يستطيع توكيل من يثق برؤيته .

وكذلك عند فقهاء المسلمين تكفي الرؤية بما يؤدي إلى معرفة صفات المعقود عليه المقصود منه وهذه الرؤية صحيحة ومرتبة لأحكامها، فإذا كانت المعرفة لا تتم إلا برؤية الشيء كله فلا بد من رؤيته كله وان كانت المعرفة تتم برؤية بعضه فتكفي هذه الرؤية وان كان المعقود عليه أشياء عدة لا تتفاوت فتكفي رؤية النموذج وان كانت تتفاوت فلا بد من معاينة كل الأحاد .

وقد نصت المادة(239) من القانون المدني اليمني على ان: (من تعاقد على ما لم يره فهو مخير عند رؤيته المميزة ان شاء قبل و امضى العقد وان شاء فسخه وله الفسخ قبل الرؤية وعقبها ما لم يسقط حقه او ما لم يرض بعد الرؤية قولا او فعلا, ويثبت الخيار للاعمى بما يقوم مقام الرؤية).

 

الوجه الرابع : رؤية وكيل المتعاقد :

اختلف فقهاء الحنفية  في رؤية الوكيل بالقبض، حيث يذهب جانب منهم إلى ان رؤية الوكيل بالقبض تغني عن رؤية الأصيل وبالتالي فيسقط الخيار لأن القبض بعد الرؤية يشعر بالرضا إذا كان القابض أصيلا فكذلك الحكم إذا كان القابض وكيلا، اما الجانب الآخر من الأحناف فيرون ان رؤية الوكيل بالقبض لا تسقط رؤية الأصيل ، فالخيار لا يسقط بل هو ثابت للموكل فلا يسقط برؤية الوكيل إذ ان الوكيل متصرف في حدود ما وكل به لا يتعداه إلى غيره.

اما رؤية الوكيل بالشراء فلا تسقط الخيار عدا أبا حنيفة الذي يرى ان رؤية الوكيل بالشراء كرؤية الموكل فللوكيل الحق في إسقاط الخيار أو قبول العقد  .

اما رؤية الرسول فلا تسقط الخيار لأن دوره مادي بحت لا يتعدى مجرد نقل إرادة أحد الطرفين للآخر .

وقد اجاز القانون المدني اليمني رؤية الوكيل حسبما ورد في المادة (240)  التي نصت على انه : (يسقط حق من له خيار الرؤية اصيلا او وكيلا في الاحوال الاتية:
1. تصرف من له الخيار في العين تصرفا يوجب حقا للغير.
2. رؤية المتعاقد عليه قبل العقد بمدة لا تتغير فيها عادة رؤية مميزة تفي بالغرض او رؤيته بعد العقد اذا لم يفسخ بعدها مباشرة.
3. رؤية بعض المتعاقد عليه بما يدل على ذاته بحيث يحصل برؤيته لبعضه معرفته لباقيه).

الوجه الخامس : العقود التي يدخل فيها خيار الرؤية  :

اشترط  الفقهاء  الذين اجازوا خيار الرؤية ا ان يكون العقد مما يحتمل الفسخ، وعلى هذا الأساس فلا يرد خيار الرؤية في العقود التي لا تحتمل الفسخ كالمهر وبدل الصلح عن دم عمد ، وقد نصت المادة (339) من مرشد الحيران على ذلك حيث جاء فيها ما يأتي حق فسخ العقد بخيار الرؤية يثبت من غير شرط في أربعة مواضع ، وهي الشراء للأعيان التي يلزم تعينها ولا يثبت دينا في الذمة ، والاجارة وقسمة غير المثليات، والصلح عن مال على شيء بعينه، ولا يثبت خيار الرؤية في العقود التي لا تحتمل الفسخ ).

كما شترط الفقهاء المجيزون لخيار الرؤية  ان يكون المعقود عليه مما يتعين بالتعيين، لأن الفسخ يرد على المملوك بالعقد وما لا يتعين لا يملك بالعقد وإنما يملك بالقبض فلا يرد عليه الفسخ.

وعلى هذا الاساس فخيار الرؤية يرد في أربعة أنواع من العقود وهي  :-

أ- عقد البيع إذا كان مما يتعين بالتعيين، إذ يثبت الخيار للمشتري فإذا كان قد اشترى كتابا ولم يره فله الخيار إذا راه ان شاء تركه وان شاء أخذه .

ب الإجارة فعند استئجار عين من الأعيان فيثبت للمستأجر خيار الرؤية ان شاء أمضى العقد وان شاء فسخه .

ج- القسمة الرضائية بين الشركاء في الأعيان المشتركة عندما يكون أحد الشركاء لم ير نصيبه فله الخيار إذا راه .

د - الصلح عندما يكون بدل الصلح عينا معينة لم يرها المتصالح فلــه ردهـا أو أخذها عندما يراها ان يكون المتعاقد مشتريا أي متملكا لا مملكا .

 وفي هذا المعنى  نصت المادة(238) من القانون المدني اليمني  على ان: (خيار الرؤية هو الحق في امضاء العقد او فسخه بعد رؤية المعقود عليه في عقود المعاوضة المالية وهي الشراء والاجارة وقسمة الاعيان والصلح بمال ولا يثبت في العقود التي لا تحتمل الفسخ).

الوجه السادس : نطاق خيار الرؤية  من حيث المتعاقدين :

اختلف الفقهاء المجيزون لخيار الرؤية  في هذه المسالة فقد ذهب فريق منهم الى انه يثبت خيار الرؤية للبائع والمشتري معا، فالذي باع ما لم يره فله الخيار أيضا ، اما أبو حنيفة فيرى ان خيار الرؤية يثبت للمشتري ولا يثبت للبائع حتى وان لم يكن قد رأى المبيع ، لأنه لو جعل له الخيار لتوهم الزيادة والزيادة في المبيع لا تثبت الخيار والعلة في ذلك ان كلا المتعاقدين قد وقعا في غلط يبرر الفسخ ولكن الفرق بين المتعاقدين ان البائع أكثر تمكنا من المشتري في رؤية المبيع ، لأن المبيع يكون في يده وحتى وان لم يكن بيده فمن اليسير عليـــه ان يراه قبل بيعه ، فأن لم يفعل كان مقصرا.

لأن البائع يستطيع معرفة ما يبيعه أكثر من المشتري فلا حاجة لثبوت خيار الرؤية في حقه فمن ورث أرضا ولم يرها ثم باعها دون أن يراها لا يحق له طلب فسخ العقد بناء على خيار الرؤية عند رؤية المبيع.

أما المشتري فهو حين يشتري شيئا لم يره فإن رضاه بهذا المبيع تكون غير كافية لذلك شرع له خيار الرؤية ليتمكن من فسخ العقد إذا لم يعجبه المبيع أو كان بغير الصفة التي وصفت له فلا يجبر على شراء شيء لا يريده .

ودليل ذلك أن عثمان بن عفان باع مالا له بالكوفة لم يره لطلحة بن عبيد الله فقيل لعثمان: إنك قد غبنت. فقال عثمان: لي الخيار لأني بعت ما لم أر. فقال طلحة: لي الخيار لأني اشتريت مالم أر, فحكما بينهما جبير بن مطعم فقضى أن الخيار لطلحة ولا خيار لعثمان ،فقد جعل الخيار للمشتري دون البائع وكان بمحضر من الصحابة ولم ينكر عليه أحد.

الوجه السابع : مدة خيار الرؤية:

اختلف الفقهاء المجيزون لخيار الرؤية فيما يتعلق بمدة الخيار، فذهب بعضهم للقول ان حق الفسخ بمقتضى خيار الرؤية حق مطلق لا يحده زمن فلكل من له الخيار حق استعماله في أي وقت شاء ما لم يسقط لأي سبب من أسباب السقوط، ويبرر هؤلاء الفقهاء رأيهم بالقول ان سبب ثبوت هذا الخيار هو اختلال الرضا والحق بالخيار يجب ان يبقى ما بقي سببه ، اما البعض الآخـر مـن الأحناف والزيدية فقالوا ان حق الفسخ بخيار الرؤية مؤقت بالمدة التي يتمكن العاقد من خلالها من رؤية العين محل العقد ، فإذا رأى العين ولم يفسخ سقط حقه بالخيار، ويبرر هؤلاء رأيهم بالقول ان عدم الفسخ بعد التمكن من الرؤية لا يعني إلا ان المتعاقد صاحب الخيار راض بالعين وهذا الرضا يسقط حقه بالفسخ .

اما القانون المدني اليمني، فقد اخذ برأي الاتجاه الثاني في كون خيار الرؤية مؤقت بالمدة التي يتمكن العاقد من خلالها من رؤية العين، حسبما هو مقرر في المادة (240)  التي نصت على انه : (يسقط حق من له خيار الرؤية اصيلا او وكيلا في الاحوال الاتية:
1. تصرف من له الخيار في العين تصرفا يوجب حقا للغير.
2. رؤية المتعاقد عليه قبل العقد بمدة لا تتغير فيها عادة رؤية مميزة تفي بالغرض او رؤيته بعد العقد اذا لم يفسخ بعدها مباشرة.
3. رؤية بعض المتعاقد عليه بما يدل على ذاته بحيث يحصل برؤيته لبعضه معرفته لباقيه).

الوجه الثامن :ما يترتب على رؤية المبيع :

نصت المادة(239) من  القانون المدني اليمني  على انه : (من تعاقد على ما لم يره فهو مخير عند رؤيته المميزة ان شاء قبل و امضى العقد وان شاء فسخه وله الفسخ قبل الرؤية وعقبها ما لم يسقط حقه او ما لم يرض بعد الرؤية قولا او فعلا, ويثبت الخيار للاعمى بما يقوم مقام الرؤية).

فاذا ثبت خيار الرؤية  فانه يجعل العقد غير لازم ، فللمشتري عند رؤية المبيع الرجوع عن عقد  البيع وفسخه، اما البائع فلا خيار له فالعقد غير لازم له، والفسخ في هذا الفرض لا يتوقف على التراضي أو التقاضي

فإذا اختار المتعاقد إجازة العقد فهذه الإجازة اما ان تكون صريحة أو ضمنية وتتم الإجازة بعد رؤية المعقود عليه، ولو قام المتعاقد بإجازة العقد قبل رؤية الشيء فخياره يبقى ، لأن الشارع جعل الخيار بعد رؤية المحل، فإذا أجازه قبل ذلك كانت إجازته قبل ثبوت الحق له، ثم ان هذا الخيار قد ثبت شرعا لجهالة صفة المعقود عليه من اجل ضمان رضا المتعاقد والرضا بالشيء قبل العلم به أمر محال، حيث ان العلم لا يكون تاما إلا بعد رؤية المبيع، ولا يشترط ان يعلم البائع بهذه الإجازة فهي تنتج أثرها بمجرد صدورها من المشتري  .

اما إذا اختار المشتري الفسخ فالسؤال الذي يطرح هل يتم الفسخ بعد الرؤية أم قبلها، فيرى الفقهاء المجيزون خيار الرؤية انه يجوز الفسخ بعد الرؤية لقــول الرسول صلى الله عليه و اله وسلم: (من اشترى شـــيـئـا لــــــم يـــره فـلــــه الخيار إذا راه) فللمشتري  الخيار بين إمضاء العقد أو فسخه.

 اما قبل الرؤية فقد اختلف الفقهاء المجيزون، فيرى بعضهم ان للمتعاقد الفسخ قبل الرؤية فكما ان له الفسخ بعد الرؤية فله الفسخ قبل الرؤية، لأن الفسخ لم يثبت في هذه الحالة حكما للخيار وإنما ثبت لعدم اللزوم  ، ففي حين  ذهب البعض الآخر من هولاء  الفقهاء الى عدم جواز الفسخ قبل الرؤية ، لأن سبب الخيار الرؤية فإذا أثبتنا له حق الفسخ قبلها فقد أثبتنا الخيار قبل وجود سببه وهذا لا يجوز لأن السبب لا يتقدم على المسبب، وبما ان إمضاء العقد قبل الرؤية لا عبرة له فكذلك الفسخ قبل الرؤية لا يصح، ووجهة نظر من يقول بصحة الفسخ قبل الرؤية ان العقد مع عدم الرؤية عقد غير لازم بمقتضى وجود الخيار فيه، والعقد غير اللازم يجوز لمن هو غير لازم من جانبه أن يفسخه ، والسبب في وجود خيار الرؤية ليست هي الرؤية وإنما عدم الرؤية ، فالفسخ هنا إذا حصل قبل الرؤية لا يحصل قبل وجود سببه بل بعده إذ أن سبب ثبوت الخيار عدم الرؤية وذلك ما حصل عند العقد .

اما بالنسبة لموقف القانون المدني العراقي فقد بين ان حق الفسخ يتم قبل الرؤية وبعدها إذ نصت الفقرة الأولى من المادة ( (523) على انه ( يسقط خيار لرؤية .... بصدور ما يبطل الخيار قولا أو فعلا من المشتري قبل الرؤية أو بعدها .....)

ويعلل الفقه القانوني كون الفسخ يحدث قبل الرؤية وبعدها، في ان الفسخ يحدث قبل الرؤية لسببين الأول، ان العقد غير لازم فالفسخ يرجع لعدم اللزوم، اما السبب الثاني فانه لو اشترط حصول الرؤية من اجل الفسخ لأضمر العاقد نية الفسخ وانتظر حتى الرؤية وفي هذا إضرار بالبائع، اما الفسخ بعد الرؤية فهو جائز وهو يرجع لثبوت الخيار ، ولهذا فيستطيع المشتري الفسخ صراحة أو دلالة ، كما ويشترط لصحة الفسخ ان يكون الخيار قائما ، لأنه لـــو سقط لزم العقد  .

وقد تبين مما سبق ان خيار الرؤية يجعل العقد غير لازم، إلا ان الحنفية يرون ان هذا الخيار لا يمنع انعقاد العقد بل لا يمنع نفاذه أيضا، فيثبت الملك للمشتري في المبيع ويثبت الملك للبائع في الثمن على الرغم من قيام خيار الرؤية (8)، اما المالكية فيرون ان خيار الرؤية مانع لانتقال الملكية لكون هذا الخيار جعل العقد غير تام والعقد غير التام لا ينقل الملكية لاحتمال فسخه .( حكم خيار الرؤية  العقد النافذ ، د. امال عبد الجبار خفاجي، بغداد ٢٠٠٢م ، ص٣٩) .

الوجه التاسع: شروط ثبوت خيار الرؤية:

نصت المادة(238) مدني يمني على ان: (خيار الرؤية هو الحق في امضاء العقد او فسخه بعد رؤية المعقود عليه في عقود المعاوضة المالية وهي الشراء والاجارة وقسمة الاعيان والصلح بمال ولا يثبت في العقود التي لا تحتمل الفسخ).

ومن خلال مطالعة النص القانوني السابق  يظهر أن هناك اشترط عدة شروط في المعقود عليه حتى يثبت خيار الرؤية وهذه الشروط هي:

1-أن يكون العقد مما يحتمل الفسخ برد المعقود عليه:

كالبيع وإجارة الأعيان وقسمة غير المثليات ( القيميات) والصلح على مال هو عين بالذات فهذه العقود الأربعة تنفسخ برد المعقود عليه, أما العقود التي لا تحتمل الفسخ كالمهر وبدل الخلع وبدل الصلح عن دم العمد فلا يثبت فيها خيار الرؤية, فالمرأة التي تقبل أن يكون مهرها قطعة أرض ولم تر هذه الأرض لا يثبت لها خيار الرؤية بأن تكون بالخيار بين قبول المهر عند رؤية الأرض أو عدم قبوله لأن المهر لا يفسخ العقد برده.

 2-أن يكون خيار الرؤية للمتصرف له :

أي المتملك كالمشتري والمستأجر ونحوه أما المتصرف أو المالك كالبائع فلا يثبت له خيار الرؤية فمن ورث قطعة أرض ثم باعها قبل أن يراها لا يكون له حق فسخ العقد عند رؤيتها .

3-عدم رؤية المعقود عليه عند العقد:

فخيار الرؤية  يثبتوعدم رؤية المعقود عليه عند العقد, أما إن كان المشتري قد رأى المعقود عليه قبل العقد وكان المعقود عليه مما لا تتغير أوصافه فلا يثبت له خيار الرؤية , أما إن رأى المعقود عليه قبل العقد وكان مما تتغير أوصافه فخيار الرؤية يثبت في حقه لأنه بتغير وصف المعقود عليه أصبح شيئا مختلفا فكأنه اشترى ما لم يره.

4-أن يكون المعقود عليه مما يتعين بالتعيين:

فيجب على المشتري أن يعلم بالمبيع علما نافيا للجهالة وذلك بأن يكون معينا أو قابلا للتعيين, فيكون على علم بجنسه ونوعه وكميته وثمنه وإن لم يره بحيث لو رآه لعلم أنه المعقود عليه المقصود فمثلا عند شراء قطعة أرض لم يرها المشتري يجب معرفة مساحتها وموقعها وهكذا

واذا وقع الخلاف بشان  حصول رؤية المبيع فان القول يكون لمن ينكر حصول الرؤية ، وفي هذا المعنى نصت المادة(241) من القانون المدني اليمني على انه: (اذا اختلف في وقوع الرؤية فالقول لمنكرها).

الوجه العاشر : مسقطات خيار الرؤية:

 نصت  المادة (240) من  القانون المدني اليمني على انه : (يسقط حق من له خيار الرؤية اصيلا او وكيلا في الاحوال الاتية:
1. تصرف من له الخيار في العين تصرفا يوجب حقا للغير.
2. رؤية المتعاقد عليه قبل العقد بمدة لا تتغير فيها عادة رؤية مميزة تفي بالغرض او رؤيته بعد العقد اذا لم يفسخ بعدها مباشرة.
3. رؤية بعض المتعاقد عليه بما يدل على ذاته بحيث يحصل برؤيته لبعضه معرفته لباقيه)،كما نصت المادة(239) من  القانون المدني اليمني  على انه : (من تعاقد على ما لم يره فهو مخير عند رؤيته المميزة ان شاء قبل و امضى العقد وان شاء فسخه وله الفسخ قبل الرؤية وعقبها ما لم يسقط حقه او ما لم يرض بعد الرؤية قولا او فعلا, ويثبت الخيار للاعمى بما يقوم مقام الرؤية).

ويقصد بمسقطات خيار الرؤية: الحالات التي ينتهي فيها حق المتصرف له في الخيار بين إمضاء العقد أو فسخه عند رؤية المعقود عليه بحيث يصبح العقد لازما للمتصرف له حينئذ.

والأصل ان خيار الرؤية يسقط بما يسقط به خيار الشرط وخيار العيب وهذه المسقطات تختلف باختلاف أسباب نشأتها: فقد تنشئ بتنازل المشتري الصريح وهو ما يعرف (بالإسقاط), أو بإرادة المشتري (الفعل الاختياري) ,أو بفعل خارج عن إرادته (الفعل الضروري), فهل تنطبق جميع هذه المسقطات على خيار الرؤية أم أن هناك استثناء نظرا لكون خيار الرؤية ثابت بالشرع؟ وبيتان ذلك كما ياتي :

1_ مسقطات خيار الرؤية بالإسقاط:

المقصود بإسقاط خيار الرؤية: تنازل المشتري ( المتصرف له) عن حقه في خيار الرؤية قبل رؤية المعقود عليه بأن يقول( أسقطت خياري) مكتفيا بالوصف الذي وصف له من قبل البائع .

وتنازل المشتري عن حقه في خيار الرؤية لا يجوز شرعا بخلاف خيار الشرط وخيار العيب لأنه حق ثابت بالشرع فلا يجوز التنازل عنه قبل ثبوته بالرؤية كخيار الرجعة بالنسبة للمطلقة لا يجوز التنازل عنه مادامت المرأة في العدة لأنه ثابت بالشرع أيضا فليس جميع الحقوق يجوز التنازل عنها .

أما خيار الشرط فهو ثابت باشتراط المتعاقدين فهو شرط إرادي لا شرعي  ومن ثم يملكان التنازل عنه , وكذلك خيار العيب فإن “سلامة المبيع مشروطة عادة من المشتري فكان ذلك كالمشروط صراحة .

ولذلك لم يرد هذا الاسقاط  في النص السابق من  القانون المدني اليمني .

٢_ مسقطات خيار الرؤية بالفعل الاختياري:

يقصد بالفعل الاختياري: اتجاه إرادة المتصرف له بإنهاء حقه في خيار الرؤية برضاه بالمعقود عليه ولزوم العقد في حقه, والرضا قد تكون صراحة وقد تكون دلالة : فالرضا صراحة : تكون بالقول كأن يقول المشتري (رضيت بالبيع أو أجزت أو اخترت)أو ما يجري مجراها , أو بالكتابة أو بالإشارة الدالة على رضاه بالمعقود عليه. سواء علم البائع بهذه الإجازة أم لم يعلم؛ لأن الأصل في البيع الخالي من الشروط أن يكون لازما وشرع خيار الرؤية لخلل في رضا المتصرف له لعدم رؤيته للمعقود عليه فإذا رأى المعقود عليه ورضي به زال الخلل الذي شاب رضاه.

أما الرضا دلالة: تكون بتصرف المشتري في المبيع بعد رؤيته تصرفا يدل على رضاه بالميع كقبض المبيع أو يدل على ملكيته للمبيع كأن يكون المبيع أرضا فقام بالبناء عليها .

٣_ مسقطات خيار الرؤية بالفعل الضروري:

يقصد بسقوط خيار الرؤية بالفعل الضروري: أي الذي لا تتدخل فيه إرادة المتصرف له بإنهاء حقه في خيار الرؤية ولزوم العقد في حقه بل يكون بفعل خارج عن إرادته ومثاله:

أ- موت المتصرف له( المشتري) :

فإذا توفي المشتري بعد ثبوت خيار الرؤية ولم يكن قد اختار إمضاء العقد أو فسخه سقط خيار الرؤية ولا ينتقل هذا الخيار للورثة كخيار الشرط لأن هذا الخيار حق للعاقد وحده والورثة ليسوا بعاقدين بخلاف خيار التعيين والعيب, وقد خالف الإمام مالك هذا القول وأثبت للورثة حق خيار الرؤية بموت مورثهم لأن الإرث يثبت في الأملاك وكذلك في الحقوق ومن بين هذه الحقوق خيار الرؤية فينتقل للورثة كخيار التعيين والعيب.

ب-هلاك المبيع كله أو بعضه أو تعيبه في يد المتصرف له:

لأنه بهلاك المبيع أو تعيبه لا يستطيع المشتري فسخ العقد لأن الفسخ يلزم رد المبيع في الحالة التي كان عليها وقت العقد وقد تعذر ذلك بسبب الهلاك أو التعييب فحينئذ يسقط خيار الرؤية ويلزم البيع.

ج-تصرف المشتري في المبيع تصرفا لا يحتمل الفسخ أو تصرفا يوجب حقا للغير قبل الرؤية:

إذا تصرف المشتري في المبيع قبل أن يراه بمقتضى ثبوت ملكه فيه حتى قبل رؤيته له وكان هذا التصرف لا يقبل الفسخ كأن يعتق عبدا بعد أن اشتراه دون أن يراه, أو أنشأ بتصرفه حقا للغير كأن يبيع ما اشتراه  لشخص آخر بدون خيار أو رهنه له أو أجره أو قام بهبته وتسليمه للموهوب له فجميع هذه التصرفات تكون نافذة وبعد نفوذها لا يجوز فسخها بمقتضى خيار الرؤية لأن فيه ضياع لحقوق الغير .

أما إن كان تصرف المشتري في المبيع قبل رؤيته لا ينشئ حقا للغير كأن يهب المبيع ولا يسلمه للموهوب له أو أن يبيعه بشرط الخيار للبائع فهنا لا يسقط خيار الرؤية في حقه لأن المشتري يملك الرجوع فيها فيكون حقه في خيار الرؤية لازال قائما.( خيار رؤية المبيع ، أبرار سيد ، الموقع الالكتروني لحماة الحق).

الوجه الحادي عشر: انتهاء خيار الرؤية بالفسخ وشروط الفسخ:

نصت المادة(239) من  القانون المدني اليمني  على انه : (من تعاقد على ما لم يره فهو مخير عند رؤيته المميزة ان شاء قبل و امضى العقد وان شاء فسخه وله الفسخ قبل الرؤية وعقبها ما لم يسقط حقه او ما لم يرض بعد الرؤية قولا او فعلا, ويثبت الخيار للاعمى بما يقوم مقام الرؤية).

ينتهي حق المشتري او  المتصرف له في خيار الرؤية بعد رؤيته للمعقود عليه باختياره فسخ العقد ويكون الفسخ بتصريح المشتري بفسخه للعقد إما بالقول بأن يقول( فسخت العقد أو نقضته أو رددته أو ما يجري مجرى هذه الألفاظ) , أو بالفعل الدال على عدم قبوله المبيع , كما ينتهي خيار الرؤية بالفسخ في حالة هلاك المبيع فبل قبضه فينفسخ العقد هنا ضرورة لعدم وجود محله وهو المبيع.

وكما أشرنا سابقا يجوز فسخ العقد قبل رؤية المعقود عليه كما ذهب إليه الحنفية استنادا إلى عدم لزوم العقد في حقه وليس استنادا إلى خيار الرؤية لأنه لا يثبت في حقه إلا من وقت رؤية المعقود عليه.

ويترتب على الفسخ انتهاء العقد ورد كل من البدلين لصاحبه وزوال ملك المشتري للمبيع وزوال ملك البائع للثمن. .( خيار رؤية المبيع ، أبرار سيد ، الموقع الالكتروني لحماة الحق).

ويشترط لصحة فسخ العقد بخيار الرؤية ما ياتي :

 1.أن يكون خيار الرؤية موجودا وثابتا في حق المشتري او المتصرف له لأن الخيار إذا سقط بأحد الأسباب سالفة الذكر كان العقد لازما ومن ثم لا يحتمل فسخه.

2.ألا يترتب على الفسخ تفريق الصفقة على البائع بأن يقبل ببعض المعقود عليه ويرد الباقي سواء كان قبل قبض المبيع أو بعده لأن في ذلك ضرر على البائع كما أن خيار الرؤية يمنع تمام البيع فكان ذلك باطلا.

3.يجب أن يكون البائع عالما بالفسخ ليكون على بينة من أمره ويتمكن من التصرف في سلعته كيفما شاء وهو قول أبو حنيفة, وذلك بخلاف إجازة المشتري للمبيع فلا يلزم علم البائع بها. (التعليق على أحكام المحكمة العليا في مسائل عقد والبيع، ا . د. عبد المؤمن شجاع الدين ، مكتبة الصادق جولة جامعة صنعاء الجديدة ٢٠٢٥م، ص ٢٢٤)، والله اعلم

 

 

بدء ولاية قاضي التنفيذ

 

 بدء ولاية قاضي التنفيذ

ا.د. عبد المؤمن شجاع الدين

الأستاذ بكلية الشريعة والقانون- جامعة صنعاء               

تبدأ ولاية  قاضي التنفيذ في القضية التنفيذية عندما يتم تقديم طلب تنفيذ  السند التنفيذي الى قاضي التنفيذ شريطة ان تتوفر في طلب التنفيذ  كافة الشروط والمتطلبات  القانونية  ، ومن اهمها ان يرفق طالب التنفيذ بطلبه السند التنفيذي المطلوب تنفيذه ، وان تتوفر في هذا  السند كافة الشروط القانونية، فان لم تتوفر هذه الشروط فلا يحق لقاضي التنفيذ مباشرة التنفيذ ،حسبما قضى الحكم الصادر عن الدائرة التجارية بالمحكمة العليا في جلستها المنعقدة بتاريخ ٩/١/٢٠١١م، في الطعن رقم (٤٢٥٨٧) ، فقد ورد ضمن اسباب الحكم المشار اليه : (  فالإجراءات التي باشرتها المحكمة الابتدائية بحسبان  انها اجراءات تنفيذية لم تنعقد بها خصومة التنفيذ لعدم توفر سند التنفيذ الصادر وفقا للاصول، ومن المعلوم ان ولاية قاضي التنفيذ لا تنشا إلا عقب  صدور سند تنفيذي اما قبل ذلك فتكون صادرة من غير ذي ولاية ، ولما كان  شرط صدور الحكم او القرار في خصومة يقرها القانون  فان اي إجراءات تتم بالمخالفة لذلك تكون قد صدرت في غير خصومة معتبرة قانونا مما ينعدم بها ركن من اركان القرار والحكم طبقا للمادة (٢١٧)مرافعات)، وسيكون تعليقنا على هذا الحكم حسبما هو مبين في الأوجه الاتية:

الوجه الاول : مفهوم قاضي التنفيذ  :

 في كل دول العالم تقريبا يتم تخصيص قاضي للتنفيذ لتولي اجراءات تنفيذ الاحكام والتفرغ لهذه المهمة الجليلة باعتبار تنفيذ الاحكام هو ثمرة العمل العمل القضائي ، والاصل في قانون المرافعات اليمني تعيين قاض متفرغ مختص بالتنفيذ في نطاق كل محكمة ابتدائية ، لان التنفيذ بإجراءاته ومنازعاته  يستدعي تفرغ قاضي خاص  لديه الخبرة والمهارة والكفاءة اللازمة ، فيكون متفرغا للتنفيذ، فإجراءات التنفيذ ومنازعاته ينبغي ان تتم بصورة متواصلة من غير جلسات لإختلافها عن القضايا الموضوعية  إضافة الى ان إجراءات التنفيذ  تستدعي إنتقال القاضي الى مكان  التنفيذ لمباشرة التنفيذ  ،كما يتطلب التنفيذ من القاضي الفصل في منازعات التنفيذ بصفة متواصلة ومستمرة وسريعة وفقا لما هو مقرر في قانون المرافعات.

وقد صرح قانون المرافعات اليمني  بتفريغ قاضي للتنفيذ بيد انه نظرا لقلة القضاة فقد اجاز القانون ان يتولى رئيس المحكمة  الابتدائية مهام قاضي التنفيذ ريثما يتم تخصيص قاضي للتنفيذ، وبناء على ذلك فان الاصل تعيين قاضي متفرغ للتنفيذ  والاستثناء قيام رئيس المحكمة الابتدائية بأعمال قاضي التنفيذ ، وفي هذا المعنى نصت المادة  (316) من قانون المرافعات على ان : ( -أ - يكون في دائرة كل محكمة ابتدائية قاضي للتنفيذ فإذا لم يوجد فيقوم بالتنفيذ رئيس المحكمة.
ب- يساعد قاضي التنفيذ عدد من المعاونين المؤهلين تأهيلاً شرعياً وقانونياً يقومون بأعمالهم تحت سلطته) .

اما المادة (317) مرافعات فقد حددت نطاق الاختصاص المكاني لقاضي التنفيذ ، إذ نصت  هذه المادة على ان  :( أ - تختص بالتنفيذ المحكمة الابتدائية التي يقع في دائرتها محل إقامة من عليه الحق أو التي توجد بدائرتها أمواله التي يجري التنفيذ عليها كلها أو بعضها، وإذا تعلق التنفيذ ابتداءً بعقار فيكون الاختصاص لمحكمة موقع العقار ويكون الاختصاص للمحكمة الابتدائية التي نظرت النـزاع ابتداءً إذا لم يكن للمنفذ ضده أموال ظاهرة أو محل إقامة محدد .
ب - يكون الاختصاص في حجز ما للمدين لدى الغير للمحكمة الابتدائية التي يقع في دائرتها موطن المحجوز لديه .
ج- إذا تعددت المحاكم المختصة بالتنفيذ فينعقد الاختصاص للمحكمة التي قدم إليها طلب التنفيذ أولاً وعليها أن تنيب غيرها في إجراءات التنفيذ وما تصدره لذلك من أوامر وقرارات تتعلق به .
 في حين بينت المادة (318) مرافعات  منازعات التنفيذ التي يختص بنظرها قاضي التنفيذ ، فقد نصت  هذه  المادة على ان : ( تختص محكمة التنفيذ بالفصل في جميع المنازعات المتعلقة به أياً كانت قيمتها سواءً كانت موضوعية أو وقتية وسواء كانت مقدمة من الأطراف أو من غيرهم).

الوجه الثاني : السند التنفيذي مسوغ طلب التنفيذ :

اشار الحكم محل تعليقنا الى ان القاضي المختص بالتنفيذ لا ينظر في طلب التنفيذ الا بعد ان يتحقق من وجود السند التنفيذي المطلوب تنفيذه ومن توفر الشروط  القانونية لتنفيذه ، فقد نصت المادة (326)مرافعات على انه  : (١ - لا يجوز إجراء التنفيذ الجبري إلاَّ بسند تنفيذي اقتضاء لحق محقق الوجـود ومعين المقدار وحال الأداء .
2 - لا يجوز التنفيذ  الا َ بموجب صورة تنفيذية تتمثل في السند التنفيذي مذيلاً بالصيغة التنفيذية مالم ينص القانون على غير ذلك) .
 ومن جهتها بينت المادة (327) مرافعات مضمون الصيغة التنفيذية التي تكسب السند صفة السند التنفيذي، فقد  نصت هذه المادة على ان : ( تكون الصيغة التنفيذية على النحو التالي :-
(بقوة الشرع والقانون : فان السلطة القضائية تقرر فرض تنفيذ هذا السند التنفيذي جبراً، وعلى السلطة العامة أن تعين على إجرائه ولو باستعمال القوة المسلحة متى طلب قاضي التنفيذ منها ذلك ) .

 في حين حددت المادة (328) مرافعات انواع السندات التفيذية  الجائز  تنفيذها فقد نصت هذه المادة على ان  : ( تتحدد السندات التنفيذية فيما يأتي :
1- الأحكام الصادرة من المحاكم اليمنية .
2- أوامر الأداء والأوامر على العرائض الصادرة من القاضي المختص وفقاً لهذا القانون .
3- أحكام المحكمين القابلة للتنفيذ .
4- اتفاقات الصلح المصدق عليها من المحاكم .
5- القرارات النهائية للجان الإدارية المنوط بها فض المنازعات في الأحوال المنصوص عليها في القانون.
6- مسودات أراضي وعقارات الأوقاف القديمة والتي هي بخط كاتب مشهور) .
اما المادة (329) مرافعات  فقد بينت المحكمة المختصة بوضع الصيغة التنفيذية  على السند التنفيذي ، إذ نصت هذه المادة على انه :  (على المحكمة التي أصدرت الحكم أو أمر الأداء أو التي صدقت على إتفاق الصلح أن تقوم بوضع الصيغة التنفيذية عليه مختومة بخاتمها بناءً على طلب ذي الشأن وإذا كان حكم المحكم قد صار نهائياً فعلى المحكمة المختصة بتنفيذه وضع الصيغة التنفيذية عليه على نحو ما ذكر ولا تسلم الصورة التنفيذية إلا لذي الشأن أو من حل محله شرعاً وقانوناً) .
 وتضمنت المادة (330) مرافعات  المقدمات السابقة على التنفيذ التي يجب إتباعها قبل مباشرة اجراءات التنفيذ، فقد نصت هذه المادة على انه :  ( يجب أن يسبق التنفيذ إعلان السند التنفيذي لشخص المحكوم عليه أو المدين فيه أو في موطنه الأصلي ، وإلا كان التنفيذ باطــلاً ، ويجب أن يشتمل الإعلان على بيان بالمطلوب منه وتكليفه بالوفاء ).

فهذه الشروط القانونية لمباشرة القاضي لإجراءات التنفيذ التي اشار اليها الحكم محل تعليقنا.

الوجه الثالث : إتصال قاضي التنفيذ  بالقضية التنفيذية :

يتصل القاضي بالقضية التنفيذية  عن طريق طلب التنفيذ المقدم من طالب التنفيذ ، ويجب ان يتضمن طلب التنفيذ ما يفيد  توفر الشروط القانونية للتنفيذ السابق ذكرها والتي اشار اليها الحكم محل تعليقنا ، ويجب ان يرفق طالب التنفيذ بطلبه السند التنفيذي  المطلوب تنفيذه بالاضافة الى المستندات الدالة على توفر الشروط القانونية للتنفيذ ، وفي هذا المعنى نصت المادة (353) مرافعات  على ان : ( يكون التنفيذ بناءً على عريضة يقدمها طالب التنفيذ إلى المحكمة المختصة بالتنفيذ ، ويجب أن تشتمل العريضة على البيانات الآتية :
‌أ- رقم القضية وأسماء الأطراف ونوع السند التنفيذي وتاريخه.
‌ب- بيان ما إذا كان قد حصل وفاء ومقداره أو أية تسوية أخرى وما أهميتها.
‌ج- بيان كاف بما يراد التنفيذ استيفاءً له .
‌د- اسم الشخص المراد تنفيذ السند التنفيذي في مواجهته .
‌هـ- بيان موطن مختارً لطالب التنفيذ في دائرة اختصاص محكمة التنفيذ .
‌و- بيان محل التنفيذ وطريقته) .
 وفي هذا السياق نصت المادة (354) مرافعات  على انه :  ( يجب أن ترفق مع طلب التنفيذ الصورة التنفيذية للسند التنفيذي .
 بعد تقديم طلب التنفيذ يقوم القاضي  بالتحقق  من إستيفاء طلب التنفيذ للبيانات والمستندات اللازمة المحددة في المادتين (353 ، 354)  السابق ذكرهما  ، فبعد ذلك يتم  التاكد من إستيفاء إجراءات مقدمات التنفيذ  المحددة في المادة (355) مرافعات التي نصت على انه  : ( بعد استيفاء ما نصت عليه المادتان (353 ، 354) يجب على قاض التنفيذ الأمر بإتباع مقدمات التنفيذ).

وقد بينت المادة (٣١٥) مرافعات  مقدمات التنفيذ ، فقد نصت هذه المادة على ان  : ( مقدمات التنفيذ هي اعلان المنفذ ضده  بسند التنفيذ المطلوب تنفيذه وتكليفه  بالتنفيذ  اختيارا خلال المدة المحددة قانونا). (التعليق على أحكام المحكمة العليا في مسائل التنفيذ . د. عبد المؤمن شجاع الدين ، مكتبة الصادق جولة جامعة صنعاء الجديدة ٢٠٢٥م، ص ٢٢٤)، والله اعلم.