شطب الدعوى المستعجلة من اول جلسة يغيبها المدعي

0

 

شطب الدعوى المستعجلة من اول جلسة يغيبها المدعي؟️

الدعوى المستعجلة دعوى خصها المشرع بأحكام تتلائم وطبيعتها المستعجلة من ناحية ووطبيعتها الوقتية باعتبارها لا تمس أصل الحق من ناحية أخرى. 

فالدعوى المستعجلة تختلف عن الدعاوى العادية من ثلاث نواحٍ أساسية: 

·       الأولى: أن إجراءاتها سريعة، إجراءات الإعلان، مواعيد الحضور، موعد الحكم، وآلية التنفيذ..الخ. 

·       والثانية: أنها وقتية بمعنى أنها لا تمس أصل الحق دوماً وإنما توفر حماية وقتية أو تلبي حاجة ملحّة مستعجلة وبصفة مؤقتة. 


·       والثالثة: أن القاضي عند نظره الدعوى المستعجلة له هامش ضيق يكون له فيه قدرة على تحوير طلبات المدعي أو تعديلها خلافاً لمبدأ عدم جواز الحكم بما لا يطلبه الخصوم، إلا أن هذا الهامش ضيق نوعاً ما. 

وفيما عدا هذه الميزات،

لا تتميز الدعوى المستعجلة عن الدعوى الموضوعية بأي أمر آخر، فقواعد رفع الدعوى هي ذاتها في الدعوى المستعجلة أو الدعوى العادية، وشروط وبيانات الدعوى التي يجب توافرها هي ذاتها في الدعوى المستعجلة أو العادية، وقواعد تنفيذ الإعلانات هي ذاتها، والفارق فقط في مدة الإعلان وعدد الإعلانات، وكذلك الجزاءات هي ذاتها في حال تخلف شرط من شروط الدعوى. 

إلا أن البعض يرى أن الدعوى المستعجلة لا تخضع لنظام الاستبعاد المنصوص عليه في المواد (١١٢، ١١٣) من قانون المرافعات، حيث نصت المادة (١١٢) مرافعات بالقول *(إذا لم يحضر الخصوم يوم الجلسة عند النداء عليهم قررت المحكمة إرجاء نظر الدعوى إلى آخر الجلسة، فإذا لم يحضروا قررت المحكمة استبعادها من جدول الجلسات، وإذا بقيت الدعوى مستبعدة لمدة ستين يوماً ولم يطلب أحد الخصوم السير فيها، شُطبت واعتبرت كأن لم تكن)*، ثم نصت المادة (١١٣) مرافعات بالقول *(إذا لم يحضر المدعي وحضر المدعى عليه وحده ولم يقدم أية طلبات على المدعي طبق حكم المادة السابقة...الخ)*. ويرى هذا الاتجاه أن الدعوى المستعجلة تشطب نهائياً إذا تغيب المدعي عن حضور إحدى الجلسات، ويرون أن قرار الشطب لا يشترط فيه أن يسبقه أي قرار باستبعاد الدعوى المستعجلة، ويبررون ذلك من كونها دعوى مستعجلة لا تقبل التراخي. وهناك أحكام قضائية صدرت بشطب الدعوى المستعجلة في ذات الجلسة التي تخلف فيها المدعي عن الحضور، 

فما مدى دقة هذه الأحكام؟ 

للإجابة على هذا السؤال يجب أن ننظر إلى الاستبعاد على أنه إجراء ذو طبيعة مزدوجة وينظر له من اتجاهين متعاكسين: 

·       الوجه الأول: ينظر إلى الاستبعاد باعتباره رخصة أو فترة إمهال للمدعي الذي تخلف عن الحضور، والذي قد يكون سبب تخلفه عن الحضور عذراً أو ظرفاً قهرياً حال بينه وبين حضور الجلسة (مرض، حادث في الطريق، أخطأ في معرفة الموعد وظن أن الجلسة في يوم آخر، فرصة للتصالح...الخ). فتقرر المحكمة استبعاد الدعوى لمدة ستين يوماً، وهذه الفترة هي فترة إمهال للمدعي ليقوم بتقديم طلب تحريك خلالها إن أراد ذلك مراعاة لما قد يكون تعرض له من ظروف منعته من الحضور، وهذه الظروف يتعرض لها المدعي أياً كان سواء كانت دعواه مستعجلة أم كانت دعواه عادية. 

·       الوجه الثاني: وهو النظر إلى الاستبعاد باعتباره جزاء مترتباً على تخلف المدعي عن الحضور. فدعواه يتم استبعادها لمدة طويلة (٦٠ يوماً) ولا تُجدول ضمن الجلسات اليومية، ولا يتم تحديد موعد لها إلا إذا قدم طلب من المدعي وقام بسداد رسوم التحريك. كما أن الاستبعاد هو مقدمة لشطب الدعوى نهائياً من سجلات المحكمة وشرطاً أساسياً للشطب، ولذلك لابد أن يسبق الشطب استبعاد، فيعتبر الاستبعاد من هذه الزاوية جزاءً وعقاباً لتخلف المدعي عن الحضور. والجزاءات الإجرائية لا تتقرر بالاجتهاد بل بالنصوص القانونية (استبعاد، شطب، سقوط، انقضاء، ...الخ). هذه الجزاءات تتقرر بنصوص قانونية ولا يحددها الاجتهاد، فعلى سبيل المثال في التظلم من أمر الأداء، إذا لم يحضر المتظلم في الجلسة الأولى اعتبر التظلم كأن لم يكن، هذا الجزاء قرره نص قانوني صريح، أما إذا تغيب المتظلم في جلسة أخرى غير الجلسة الأولى فيكون الجزاء هو الاستبعاد وفقاً للقواعد العامة. 

فإذا نظرنا إلى الدعوى المستعجلة من جهة وإلى الاستبعاد بطبيعته المزدوجة من جهة أخرى، سنجد أن الاستبعاد ينطبق على الدعوى المستعجلة مثلها مثل الدعوى العادية. فهو رخصة لاحتمال أن المدعي حالت بينه وبين الحضور ظروف قاهرة، وهو جزاء لتخلف المدعي عن الحضور، فالاستبعاد رخصة وجزاء يرتبطان بشخص المدعي لا بطبيعة الدعوى، إن كانت مستعجلة أو عادية. ولذلك فإن قيام المحكمة بشطب الدعوى المستعجلة دون أن يسبق الشطب قرار استبعاد وقبل أن تنقضي مدة الاستبعاد دون تحريك هو من وجهة نظرنا قرار مخالف للقانون ويعد قراراً باطلاً. 

وهنا قد يبرر البعض قرار الشطب بالقول إن مدة الاستبعاد الـ ٦٠ يوماً مدة طويلة ولا تتناسب وطبيعة الدعوى المستعجلة. 

• والرد على هذا التبرير هو أن تحريك الدعوى المستعجلة المستبعدة لا يشترط فيه أن تنقضي الـ ٦٠ يوماً كاملة، بل قد يقدم طلب التحريك في نفس اليوم التي استبعدت به الدعوى، وقد يتم تحريكها في اليوم التالي، وقد يتم تحريكها بعد يومين. ولذلك فإن الـ ٦٠ يوم لا تنقضي إلا الجزء اليسير منها، غالباً ما يلبث المدعي أن يحرك دعواه المستعجلة. 

• وبعضهم يرى أنه يجب تحديد مدة استبعاد أقصر بالنسبة للدعاوى المستعجلة، إذا انقضت دون تحريك يتم شطبها كعشرة أيام مثلاً. ومثل هذا الرأي يكون له وجاهة إذا كان القضاء يتعامل مع الدعوى المستعجلة على أنها مستعجلة فعلاً ويعقد فيها جلسات يومياً، أما إذا كان القضاء يتعامل مع الدعوى المستعجلة كتعامله مع الدعاوى العادية (جلسة كل أسبوع أو جلسة كل أسبوعين) فلا يكون لهذا الرأي أي وجاهة. 

أخيراً أقول إن شطب الدعوى المستعجلة مباشرةً دون أن يسبق الشطب قرار استبعاد، وتنقضي مدة الاستبعاد دون تحريك، من وجهة نظرنا اجتهاد يخالف القانون ولا يوجد له أي أساس قانوني يستند إليه. 

والخلاصة أن الدعوى المستعجلة تخضع لنظام الاستبعاد مثلها مثل أي دعوى عادية.

والله تعالى أجل وأعلم. 

 

دمتم برعاية الله.

القاضي مازن الشيباني

٢٥ ديسمبر ٢٠٢٤

 


التصنيفات:

إرسال تعليق

0 تعليقات
* Please Don't Spam Here. All the Comments are Reviewed by Admin.

فضلاً وليس أمراً
اترك تعليقاً هنا

فضلاً وليس أمراً
اترك تعليقاً هنا

إرسال تعليق (0)

#buttons=( أقبل ! ) #days=(20)

يستخدم موقعنا ملفات تعريف الارتباط لتعزيز تجربتك. لمعرفة المزيد
Accept !