الإكراه على الصلح

0

 

الإكراه على الصلح

أ.د/ عبد المؤمن شجاع الدين

الأستاذ بكلية الشريعة والقانون – جامعة صنعاء

الصلح عقد في الفقه الإسلامي وفي القانون المدني اليمني عماده وأساسه التراضي بين الخصوم المتصالحين، ولاريب أن الصلح خير وفيه من الفضائل الشرعية والقانونية ما لا يتسع المجال لذكرها، بيد أن الإكراه على الصلح يعدم الرضاء ويفقد المتصالح إختياره ولوكان الباعث على إكراه الخصم للصلح نبيلاً.


 فالإكراه يعدم الارادة ويفقد المتصالح إختياره  سواء كان مصدر الإكراه من الخصم الاخر ام  من الغير، غير أن دعوى الإكراه تستوجب على المدعي بالإكراه أن يثبت وجود الإكراه على الصلح، ويتم إثبات الإكراه بطرق الإثبات المقررة في المادة (13) من قانون الإثبات اليمني بما في ذلك شهادات الشهود أو القرائن كأن يتم الصلح والخصوم أو الخصم في الحبس أو يتم الصلح بنظر أصحاب السطوة والقوة والجبابرة، فإذا ثبت إكراه الخصوم أو أحدهم على الصلح بطل الصلح، حسبما قضى الحكم الصادر عن الدائرة التجارية بالمحكمة العليا في جلستها المنعقدة بتاريخ 5-2-2011م في الطعن رقم (43109)، فقد ورد ضمن أسباب الحكم المشار إليه: (أما الوجه الثاني من التسويغ الذي قاد الشعبة إلى الخوض في قضائها هو عدم توفر خصائص الصلح، وهو التقريب بين الخصوم في نقاط الخلاف بينهم إلى الحد الذي يتوافق عليه الخصوم، لأن الصلح عقد رضائي يقوم على توفر الإرادة الحرة في قبوله ، في حين أن مؤدى الشهادات المقدمة من الشعبة أن التوقيع على الصلح لم يكن كذلك بل تم تحت الإكراه، ولما كان الإكراه عيباً من عيوب الإرادة والإختيار يجافي طبيعة عقد الصلح كعقد رضائي فإن النتيجة التي انتهت إليها الشعبة في حكمها تكون مستندة إلى صحيح الواقع والقانون)، وسيكون تعليقنا على هذا الحكم حسبما هو مبين في الأوجه الآتية:

الوجه الأول: طابع الرضائية وإسقاط الحقوق في عقد الصلح:

من المؤكد وفقاً لأحكام الفقه الإسلامي ونصوص القانون سيما المادة (668) أن الصلح عقد رضائي، ومن المقرر في فقه الشريعة الإسلامية ونصوص القانون المدني أن الرضاء شرط من أهم الشروط المعتبرة في صيغة العقد بصفة عامة، وصيغة العقد هي: الإيجاب والقبول ، فيجب أن يكون الإيجاب والقبول صادرين  بناء على رضاء وقبول وموافقة  الخصوم المتصالحين أو المتعاقدين .

ومن جانب آخر فإن الصلح عقد يتضمن إسقاط الخصوم المتصالحين لبعض حقوقهم وتنازلهم عن بعض طلباتهم، حسبما ورد في المادة (668) مدني، ولذلك لا يجوز لناظر الوقف أو ناظر أموال الدولة  أو ولي القاصر أو وصيه إبرام الصلح عمن ينوب عنه ، لأن الصلح يتضمن الإسقاط أو التنازل عن الحقوق والطلبات.

وعلى هذا الاساس فإن للصلح طبيعة خاصة تستلزم النظر اليها بعين الإعتبار عند الإدعاء بالإكراه على الصلح لخطورة الاثار المترتبة عليه.

الوجه الثاني: الإكراه في الفقه الإسلامي وأثره على عقد الصلح:

تعددت تعاريف الفقهاء للإكراه ولكنها متفقة على أن الإكراه هو: حمل الغير على أن يفعل مالا يرضاه ولا يختار مباشرته لو تُرك وشانه.

والإكراه في الفقه الإسلامي نوعان؛ النوع الأول: الإكراه الملجئ أو الإكراه الكامل: وهو الذي لا يبقى للشخص معه قدرة ولا إختيار، وذلك بأن يهدده بما يتلف النفس أو عضو من البدن، وهذا الإكراه يعدم الرضاء ويفسد الإختيار، أما النوع الثاني من الإكراه فهو: الإكراه غير الملجئ أو الناقص: وهو التهديد بما لا يضر النفس أو العضو ، كالتخويف بالحبس أو القيد أو الضرب الذي لا يتلف ، وحكمه أنه يعدم الرضاء ولا يفسد الإختيار.

ويقرر غالبية الفقهاء أن الإكراه بنوعيه يفسد العقود والتصرفات التي تحتمل الفسخ كالصلح والبيع والإجارة والشركة...إلخ، فالإكراه يجعل هذه العقود والتصرفات باطلة، أما المالكية وزفر من الحنفية فقد ذهبوا إلى أن هذه التصرفات مع الإكراه تكون موقوفة وليست باطلة أي موقوفة على إجازة الشخص الذي وقع عليه الإكراه وذلك بعد زوال تاثير الاكراه. (فقه المعاملات المالية مع تطبيقاتها المعاصرة، أ. د. عبد المؤمن شجاع الدين، مكتبة الصادق جولة جامعة صنعاء الجديدة 2021م، صـ99).

الوجه الثالث: الإكراه في القانون المدني اليمني وتأثيره على عقد الصلح:

عرَّف القانون المدني الإكراه في المادة (175) التي نصت على أن (الإكراه هو حمل القادر غيره على ما لا يرضاه قولاً أو فعلاً بحيث لو خلى ونفسه لما باشره ويكون بالتهديد أو بإتلاف نفس أو عضو أو بعض عضو أو بإيذاء جسيم أو بالتهديد بما يمس العرض أو الشرف أو بإتلاف المال)، وبينت المادة (176) مدني تأثير الإكراه على الشخص فقد نصت هذه المادة على أنه: (لا يعتبر الإكراه إلا إذا كانت ظروف الحال تصور للطرف الذي يدعي الإكراه أن الخطر الجسيم الذي يهدده محدقاً به أو بغيره ممن يهمه أمرهم كالزوجة وأصله وفرعه حال قيامه بما اكره عليه، ويراعى في تقدير الإكراه جنس من وقع عليه وسنه وحالته الإجتماعية والصحية وكل ظرف آخر من شأنه أن يؤثر في جسامة الإكراه، وقد يقع الإكراه من المتعاقد معه أو من غيره).

وقد  صرح هذا النص ان محل الإكراه قد يكون الشخص نفسه أو اقاربه الذين يهمه امرهم ، وان مصدر الإكراه  قد يكون المتعاقد الآخر أو غير المتعاقدين، واشار النص الى ان المعيار المعتبرة في تقدير تأثير الاكراه على الشخص معيار شخصي  يختلف بإختلاف الاشخاص وظروفهم.

أما بشأن تأثير الإكراه على العقد أو التصرف فقد صرح القانون المدني اليمني بأن الإكراه يبطل العقد حسبما ورد في المادة (177) التي نصت على أنه: (لا يصح العقد الصادر من شخص مكره عليه ويجب على من وقع منه الإكراه إرجاع ما كان الإكراه عليه).

ومن خلال مطالعة النصوص القانونية المنظمة للإكراه في القانون المدني يلاحظ أن الإكراه المعتبر في القانون اليمني هو: الإكراه بنوعيه ،فقد سلك القانون اليمني في هذا الشان مسلك الفقهاء لان القانون المدني اليمني مستفاد من احكام الفقه الاسلامي كما هو معروف ، ونخلص من هذا الوجه إلى القول: بأن الإكراه على الصلح يبطل عقد الصلح ويجعله باطلاً. (التعليق على أحكام المحكمة العليا في مسائل الصلح، أ. د. عبد المؤمن شجاع الدين، مكتبة الصادق جولة جامعة صنعاء الجديدة 2024م، صـ169).

الوجه الرابع: الإكراه على الصلح الواقع من غير أطراف عقد الصلح:

كان الإكراه في القضية التي تناولها الحكم محل تعليقنا كان الإكراه فيها قد صدر من غير المتعاقدين المتصالحين، واغلب حالات الإكراه على الصلح في اليمن تقع من الغير وأن كان أحد الخصوم المتصالحين هو الساعي لدى الغير للتدخل وإكراه الطرف الآخر على الصلح، وقد يقع إكراه الغير للخصوم على  الخصمين معا من غير سعي من احد الخصمين.

وغالباً ما يقع الإكراه على الصلح في اليمن من قبل مأموري الضبط القضائي وبعض قادة الوحدات العسكرية والأمنية وبعض مسئولي الدولة وبعض المشايخ، حيث يستغل هؤلاء سلطتهم وسطوتهم لحمل الخصم أو الخصوم على الصلح مع أنه قد  يكون باعث هؤلاء حميداً كإصلاح ذات البين.

ومن المسلم به في فقه الشريعة الإسلامية والقانون اليمني أن الإكراه  يبطل الصلح بصرف النظر عن الشخص الذي قام بالإكراه أي سواءً أكان مصدره من المتعاقدين أم من غيرهم فالعبرة بتأثير الإكراه على المكره وليس بالشخص الذي مارس الإكراه، كما  أن الباعث على الاكراه لايصحح بطلان عقد الصلح إذا شابه الاكراه.

الوجه الخامس: إجازة المكره لعقد الصلح:

مع ان عقد الصلح الذي يقع نتيجة الإكراه يكون باطلا على النحو السابق بيانه إلا انه يحق للشخص المتصالح الذي وقع عليه الإكراه إجازة عقد الصلح صراحة أو ضمناً شريطة أن تتم هذه الإجازة بعد زوال تأثير الإكراه، وفي هذا المعنى نصت المادة (199) مدني على أنه: (يزول حق إبطال العقد بالإجازة الصريحة أو الضمنية ممن يملك الحق في إبطال العقد وتستند الإجازة إلى التاريخ الذي تم فيه العقد دون إخلال بحقوق الغير التي تلقوها قبل الإجازة) فيكون أثر هذه الإجازة رجعياً أي لا يكون أثرها من تاريخ الإجازة وإنما من تاريخ توقيع عقد الصلح.

والإجازة الصريحة: هي أن يصرح الشخص الذي وقع عليه الإكراه بعد زوال تأثير الإكراه بأنه موافق على العقد وأنه قابل بما ورد فيه أو أنه ملتزم بما ورد فيه أو أنه سينفذ ما ورد في الصلح، وقد تتم الإجازة الصريحة كتابة أو شفاهة.

 أما الإجازة الضمنية لعقد الصلح فتتم عن طريق قيام الشخص الذي وقع عليه الإكراه قيامه بتنفيذ بنود عقد الصلح برضاه وإختياره من غير إكراه أو إجبار.(الإكراه وأثره في التصرفات ،د. عيسى زكي شقرة، موسسة الرسالة ، ص١٣١).

الوجه السادس: عدم سماع دعوى بطلان عقد الصلح:

ذكرنا في الأوجه السابقة أنه يترتب على الإكراه على الصلح بطلان عقد الصلح غير أنه إذا لم يقم المصالح الذي وقع عليه الإكراه بالتمسك بالبطلان فإن دعواه بالبطلان لا تسمع بعد مضي ثلاث سنوات من تاريخ إبرام عقد الصلح، وفي هذا المعنى نصت المادة (200) مدني على أنه: (لا تسمع الدعوى بطلب إبطال العقد أو نقضه بعد مضي ثلاث سنوات مع عدم وجود المانع أو جهل بسبب البطلان، وتبدأ المدة بالنسبة للصغير من يوم بلوغه رشيداً وبالنسبة لناقص الأهلية غير الصغير من يوم زوال سبب ذلك وفي حالتي الغلط والتدليس (التغرير) من اليوم الذي ينكشف فيه)، وفي كل الأحوال لا تسمع دعوى المدعي ببطلان الصلح بعد مضي خمس وعشرين سنة وفقاً للمادة (201) مدني.

الوجه السابع: الإحراج على الصلح لا يكون إكراه:

من المعلوم في اليمن أن غالبية عقود الصلح تتم عن طريق قيام أشخاص آخرين بحض وحث المصالح على توقيع الصلح بل وإحراجه على الصلح كالذهاب إلى منزله أو وضع الجاه لديه أو جمع كبار القوم إليه لحثه على الصلح، فكل وسائل الإحراج لا تكون من قبيل الإكراه على النحو السابق بيانه. (التعليق على أحكام المحكمة العليا في مسائل الصلح، أ. د. عبد المؤمن شجاع الدين، مكتبة الصادق جولة جامعة صنعاء الجديدة 2024م، صـ223)، والله اعلم.


إرسال تعليق

0 تعليقات
* Please Don't Spam Here. All the Comments are Reviewed by Admin.

فضلاً وليس أمراً
اترك تعليقاً هنا

فضلاً وليس أمراً
اترك تعليقاً هنا

إرسال تعليق (0)

#buttons=( أقبل ! ) #days=(20)

يستخدم موقعنا ملفات تعريف الارتباط لتعزيز تجربتك. لمعرفة المزيد
Accept !