متى يجوز للمفسوخ نكاحها الزواج بشخص آخر

0

متى يجوز للمفسوخ نكاحها الزواج بشخص آخر♦️ 

القاضي مازن امين الشيباني

▪️في الواقع هناك إشكاليات كبيرة في هذه المسألة لم ينظمها القانون, ويقع الكثير في الخطأ في فهم هذه المسألة وتطبيق نصوص القانون عليها, وسبق وان قمت بكتابة بحث متواضع حول هذه المسألة نشرته في بعض مواقع التواصل الاجتماعي أنقل اليوم الفكرة الرئيسية التي قام عليها ذلك البحث كالتالي:




هناك خلط بين ثلاث مسائل، المسألة الأولى متى يقع الفسخ؟، والمسألة الثانية متى تبدأ عدة المفسوخ نكاحها ومتى تنتهي؟، والمسألة الثالثة متى يحق للمفسوخة أن تتزوج بشخص آخر؟

 وبإمكاننا القول أن القانون نظم المسألتين الأولى والثانية وترك المسألة الثالثة دون تنظيم واضح ودقيق, ولكن من خلال نصوص قانون الأحوال الشخصية وقانون المرافعات يمكن أن نستلهم التنظيم السليم الذي يستقيم مع الشرع من جهة ومع طبيعة الحكم بالفسخ من جهة أخرى ، أما ما يخص المسألة الأولى فإن الفسخ يقع بمجرد الحكم به، والحكم المقصود هو الحكم الذي يصدره قاضي الأحوال الشخصية في المحكمة الابتدائية، بمعنى أن النص يقصد الحكم الابتدائي كونه أطلق واطلاق لفظ الحكم هنا ينصرف للحكم الابتدائي، وأمر وقوع الفسخ بمجرد الحكم به  يفهم من أمرين, الأمر الأول وهو نص المادة (80) من قانون الأحوال الشخصية والتي نصت بقولها( وتبدأ في الفسخ – أي العدة – من تاريخ الحكم به) وهذا يعني أن الفسخ يقع بمجرد صدور حكم الفسخ, وبه تبدأ العدة، أما الأمر الثاني فهو أن حكم الفسخ يعد من الأحكام المنشئة وليس من أحكام الإلزام، والأحكام المنشئة ترتب آثارها بمجرد صدورها ولا تحتاج الى اتخاذ إجراءات تنفيذ جبري – مثلاً- بصددها، مما يعني أن حكم الفسخ لا يحتاج لطلب تنفيذ حتى يوقع أثره, بل أثره يقع مباشرة بمجرد صدور الحكم، لذلك نصت المادة (237) من قانون المرافعات بقولها {الأحكام تقرر ثبوت الحقوق أو عدم ثبوتها وتنشئ المراكز القانونية أو تزيلها أو تغيرها كل ذلك من تاريخ النطق بالحكم أو من تاريخ المطالبة القضائية أو من تاريخ أصل سبب العلاقة} وحكم الفسخ يعتبر من الأحكام المنشئة التي ترتب آثارها من وقت النطق بها، لكن هنا يجب أن نتساءل، ما هي الأثار التي تترتب على الحكم بالفسخ؟ والجواب هو أن حكم الفسخ تترتب عليه ثلاثة آثار مباشرة، الأول وهو وقوع الفسخ أي انتهاء رابطة العلاقة الزوجية بحكم القضاء، وأما الأثر الثاني وهو ابتداء احتساب عدة المفسوخة، والأثر المباشر الثالث هو نشوء الحق في الطعن بالحكم، هذه هي الآثار المباشرة الثلاثة التي تترتب على الحكم بفسخ عقد الزواج، وهذا يعني أن حق الزوجة بالزواج من شخص آخر لا يعتبر من أثار الحكم بالفسخ، وانما هو أثر لمسألة أخرى، كون أثار الحكم هي تلك النتائج الحتمية التي يكون الحكم سبباً كافياً لإحداثها على أرض الواقع، بمعنى أنها تلازم الحكم وجوداً وعدماً، فإذا وجد الحكم وجدت أثاره معه، وإن لم يوجد الحكم لم توجد هذه الأثار، وحق المفسوخة بالزواج من شخص آخر ليس من أثار الحكم، كونه لا ينشأ حقها في الزواج من وقت صدور الحكم وانما ينشأ من وقت انتهاء العدة، لذلك فإن حق المفسوخة بالزواج أثر من أثار انتهاء العدة وليست أثراً من آثار حكم الفسخ، وهنا يجب أن نتنبه أن ما ينشأ هو حق المفسوخة في الزواج من شخص آخر، لكنه ليس لازماً لأمر انتهاء العدة، بمعنى أنه اذا انتهت العدة يكون من حق المفسوخة أن تتزوج وبنفس الوقت ليس لازماً ولا واجبا عليها أن تتزوج، واذا رأينا في أرض الواقع لوجدنا أن كثير ممن حُكم بفسخ عقود زواجهن أنهن يقضين بقية حياتهن دون زواج، وهو ما يعني أن مسألة قيام المفسوخ نكاحها بالزواج من شخص آخر ترتبط بأمرين، الأمر الأول انتهاء عدتها من الفسخ، الأمر الثاني هو ان تتجه إرادة المفسوخة ويتجه اختيارها الى الزواج بشخص آخر، وهذا يعني أن مسألة انتهاء عدة المفسوخة هي شرط ضروري ولازم لكنه ليس شرطاً كافياً ليكون بإمكانها الزواج، بل يشترط إضافة الى ذلك شرط آخر وهو أن تقرر المفسوخة استخدامها لهذا الحق الذي نشأ من انتهاء العدة لتقرر الزواج بشخص آخر فعلاً، وهنا صلب الإشكال، حيث يجب أن نفرق بين مسألة متى ينشأ حق المفسوخة بالزواج؟ وبين مسألة متى تستطيع المفسوخة أن تستعمل هذا الحق وتقرر الزواج؟

في الحقيقة إن حق المفسوخة بالزواج ينشأ بمجرد انتهاء العدة من الفسخ، لكنها لا تستطيع أن تستعمل هذا الحق مادام حكم الفسخ لم يصبح باتا بعد، وحكم الفسخ يصبح باتا بطريقتين، الأولى أن يتحصن الحكم من الطعن اما بقبوله من المحكوم عليه أو بانقضاء مدة الطعن دون أن يتم الطعن فيه، والثانية أن يستنفذ حكم الفسخ جميع طرق الطعن استئناف ونقض، (او الطعن بالنقض فقط  حسب تعديل قانون المرافعات بصنعاء)

في هذه الحالات يكون الحكم باتا، وهنا تواجهنا عدة احتمالات ولكن سنقتصر بالحديث عن الاحتمالات التي تسبب الإشكالات على أرض الواقع وهي احتمال أن يقوم الزوج بالطعن بالحكم أمام محكمة الاستئناف (حسب الوضع في عدن وما حولها) او امام المحكمة العليا (حسب الوضع في صنعاء وماحولها) خلال الموعد القانوني، وهنا بشأن مسألة العدة نكون أمام وضعين:

الوضع الأول : أن يقوم الزوج بالطعن بالحكم خلال موعد الطعن وقبل انتهاء العدة.

الوضع الثاني : أن يقوم الزوج بالطعن بالحكم خلال موعد الطعن ولكن بعد أن انتهت عدة الزوجة. ونبينها على النحو الاتي:-

الوضع الأول : أن يقوم الزوج بالطعن بالحكم خلال موعد الطعن وقبل انتهاء العدة.

بالنسبة للوضع الأول وهو أن يقوم الزوج بالطعن بحكم الفسخ خلال موعد الطعن وقبل انتهاء عدة المفسوخة من عصمته، وفي هذه الحالة يمكننا أن نستلهم الحكم من نص المادة (294) من قانون المرافعات والتنفيذ والتي أوردت حكماً مضمونه أن الطعن بالأحكام أمام المحكمة العليا يوقف تنفيذ الأحكام "وآثارها" في عدة أصناف من القضايا من بينها {الأحكام الصادرة في المسائل الشخصية} فإذا كان الطعن بالنقض يوقف آثار الحكم الصادر في مسائل الأحوال الشخصية فمن باب أولى أن الطعن أمام محكمة الاستئناف كذلك يوقف هذه الآثار، وهذا يعني أنه اذا تم الطعن بحكم الفسخ أمام الاستئناف او امام المحكمة العليا وكانت عدة المفسوخة لم تنته بعد توقف احتساب هذه العدة كون العدة أثر من أثار الحكم، وهنا يجب أن نعي أن المدة الشرعية للعدة لا تشبه مواعيد قانون المرافعات التي يتوقف احتسابها بالإجازات والعطلات الرسمية، فلا نقول أن فترة العدة تمتد الى ما بعد صدور الحكم من محكمة الدرجة الطعن، وانما اذا صدر حكم الاستئناف او حكم المحكمة العليا بتأييد حكم الفسخ الصادر من محكمة الدرجة الأولى فإن المدة المتبقية من العدة يتم احتسابها بأثر رجعي من اليوم الذي توقفت فيه، أما ان كانت محكمة الدرجة الثانية هي من حكمت بالفسخ ابتداءً فتبدأ العدة من تاريخ صدور حكم الاستئناف.

الوضع الثاني : أن يقوم الزوج بالطعن بالحكم خلال موعد الطعن ولكن بعد أن انتهت عدة الزوجة.

الوضع الثاني : أن تنتهي عدة الزوجة ثم يقوم الزوج بالطعن: وهذا امر وارد، فما دام أن العدة تبدأ من تاريخ الحكم بالفسخ، فقد يستمر احتساب العدة دون أن تكون مدة الطعن قد بدأت بمواجهة الزوج، كون مدة الطعن تبدأ من تاريخ استلام المحكوم عليه للحكم أو من تاريخ إعلانه بصورة منه اعلانا صحيحاً وفقاً لقانون المرافعات، وهنا صلب المشكلة التي تحدث كثيراً على أرض الواقع بسبب أن قانون الأحوال الشخصية لم يقيد حق المفسوخ نكاحها بالزواج من آخر الا بأمر واحد وهو انتهاء العدة، بينما قد يمتد حق الزوج المحكوم عليه بالفسخ قد يمتد حقه بالطعن لعدة سنوات، فتتزوج المرأة وفقاً لقانون الأحوال الشخصية، وبعدها يقوم الزوج بالطعن بالحكم وفقاً لقانون المرافعات خصوصاً إذا تجاهلت المحكوم لها بالفسخ إعلان الزوج المحكوم عليه بصورة من الحكم وتمضي مدة سنة ثم يحضر الزوج ويتسلم صورة من الحكم ويقوم بالطعن بحكم الفسخ، في هذه الحالة لا يجوز للمفسوخ نكاحها أن تتزوج بأي شخص آخر، وإذا أرادت الزواج بشخص آخر فيجب الزامها أولاً بإعلان الزوج المحكوم عليه بصورة من الحكم إعلاناً صحيحاً وتنتظر حتى تنقضي مدة الطعن أو يقوم المحكوم عليه بالطعن ويصدر حكم بتأييد حكم الفسخ، والخلاصة أن قيام المفسوخ نكاحها بالزواج من شخص آخر مقيد بشرطين اثنين: الأول : أن تنتهي العدة، وهذا الشرط ضروري لكنه غير كافي كونه ينشئ لها الحق في الزواج ولكنها بنفس الوقت لا تستطيع استعمال هذا الحق الا بالشرط الثاني، والشرط الثاني هو أن يصبح حكم الفسخ حكماً باتا، فإذا تحقق الشرطين معاً جاز للمفسوخة أن تستخدم حقها في الزواج من شخص آخر، وهذه هي النقطة تحديداً التي أغفل تنظيمها قانون الأحوال الشخصية من جهة، وقانون المرافعات من جهة أخرى، فهذين القانونين قد وقعا في شرك التناقض من جهتين: الجهة الأولى أن قانون الأحوال الشخصية قد أكد أن العدة من الفسخ تبدأ من تاريخ الحكم به، وهذا أمر طبيعي، إلا أنه وقع في القصور كونه لم يقيد حق المفسوخة بالزواج بأي اجراء آخر، والجهة الثانية أن قانون المرافعات جعل حق الطعن بالحكم حقاً يستطيع الزوج أن يجعله مؤبداً، حيث جعل مدة الطعن ستين يوماً من تاريخ استلام الحكم أو إعلانه اعلاناً صحيحا، وعند الجمع بين القانونيين فإننا نصل لنتيجة مؤداها أن الزوجة تستطيع أن تتزوج بشخص آخر بمجرد انتهاء عدتها من جهة، وبنفس الوقت يستطيع الزوج أن يطعن بحكم الفسخ ولو بعد عشر سنوات وبعد أن تكون المفسوخة قد تزوجت من شخص آخر وخلفت العديد من الاطفال، فإذا لم تقم الزوجة بإعلان المحكوم عليه بصورة من الحكم ظل حقه في الطعن قائماً ولو مضى عقد من الزمن، لذلك نجد أن بعض القضاة حاولوا تلافي هذا القصور من خلال نصهم في منطوق الحكم على أنه لا يجوز للزوجة الزواج الا من بعد انتهاء العدة، وهذا للأسف تزيد لا مقتضى له، لأن هذا الحكم هو أمر شرعي لازم دون الحاجة لينص عليه القاضي في حكمه، والصواب الذي نراه وتلافياً للقصور التشريعي نرى أن ما ينبغي أن ينص عليه القاضي في منطوق حكمه هو أن يضع فقرة خاصة نهاية المنطوق تمنع المحكوم لها بالفسخ من الزواج حتى يصبح  حكمه باتا مع مراعاة انتهاء العدة، وهنا ينبغي على المحكوم لها بالفسخ التي ترغب بالزواج ان تقوم بإعلان الزوج المحكوم عليه بصورة من الحكم عبر محضر المحكمة اعلانا صحيحاً، واذا كان الزوج غائباً وصدر الحكم بمواجهة منصوب عنه فيتم اعلان الحكم بنفس الطريقة التي أعلنت بها دعوى الفسخ ابتداءً، ويتم توثيق هذا الإعلان في سجل خاص بذلك حتى يبدأ احتساب مدة الطعن بمواجهة الزوج، ومن الخطأ أن تقوم الزوجة المحكوم بفسخ نكاحها بالطعن بالحكم تحت مبرر أنها تريد أن تجعله حكماً نهائياً، كونه لا يجوز لمن حكم له بطلباته أن يطعن بالحكم، واذا حكم عليها بجزئية معينة مثل ان ترفض المحكمة طلباتها بالنفقة السابقة فيقتصر حقها في الطعن على هذه الجزئية فقط وتتقيد محكمة الطعن بنظر هذه الجزئية المرفوع عنها الطعن فقط، وبعد هذا الشرح المختصر نقترح على المشرع هنا في هذا المقام أن يقوم بتعديل نص المادة (276) من قانون المرافعات ليكون نصه على النحو التالي{ مع مراعاة ما يقرره القانون خلافاً يبدأ ميعاد الطعن من تاريخ استلام المحكوم عليه نسخة من الحكم او من تاريخ إعلانه بها اعلاناً صحيحاً ويسقط الحق في الطعن بمضي مدة ثلاث سنوات من تاريخ صدور الحكم ولو لم يكن المحكوم عليه قد تسلم صورة من الحكم أو لم يتم إعلانه بها} والغرض من هذا النص هو أن يحدد مدى معين ينتهي عنده الحق في الطعن في كل الأحوال لا أن يبقى مؤبدا، فكثير ما نلحظ أن يأتي محكوم عليه بعد عشر سنوات من صدور الحكم ليستلم صورة منه ويرفع الطعن، وهذه إشكالية حقيقية، كما نقترح عليه أيضاً إضافة نص قانوني واضح ضمن نصوص قانون الأحوال الشخصية يمنع المفسوخ نكاحها من الزواج بشخص آخر حتى يصبح حكم الفسخ باتا، وهي بعد ذلك بالخيار إما أن تبادر بإعلان الزوج المحكوم عليه بصورة من الحكم، أو تنتظر الى حين يقوم الزوج بالطعن أو تنقضي مدة الثلاث السنوات التي اقترحناها بنص المادة (276) من قانون المرافعات. هذا والله من وراء القصد.


دمتم برعاية الله..

التصنيفات:

إرسال تعليق

0 تعليقات
* Please Don't Spam Here. All the Comments are Reviewed by Admin.

فضلاً وليس أمراً
اترك تعليقاً هنا

فضلاً وليس أمراً
اترك تعليقاً هنا

إرسال تعليق (0)

#buttons=( أقبل ! ) #days=(20)

يستخدم موقعنا ملفات تعريف الارتباط لتعزيز تجربتك. لمعرفة المزيد
Accept !