26‏/11‏/2021

جهالة الدعوى وإطالة إجراءات التقاضي أ.د/ عبد المؤمن شجاع الدين الأستاذ بكلية الشريعة والقانون – جامعة صنعاء

جهالة الدعوى وإطالة إجراءات التقاضي
أ.د/ عبد المؤمن شجاع الدين
الأستاذ بكلية الشريعة والقانون – جامعة صنعاء

هناك ثغرات تتسبب في إطالة إجراءات التقاضي ، ومن هذه الثغرات قيام المحكمة الابتدائية بنظر الدعوى قبل استيفاء بياناتها ثم الحكم بعدم الدعوى لجهالتها ، ثم يتم استئناف الحكم الابتدائي في هذه الحالة وبعد ذلك يتم الطعن بالنقض في الحكم الاستئنافي وتستغرق هذه الإجراءات سنوات طويلة تنتهي بعدم قبول الدعوى لجهالة بعض بياناتها، كما ان لدعاوى القسمة خصوصيتها فيما يتعلق باثبات اموال التركة والخصم المكلف بالاثبات، وبغرض تسليط الضوء على هذه الظاهرة فقد اخترنا التعليق على الحكم الصادر عن الدائرة الشخصية بالمحكمة العليا في جلستها المنعقدة بتاريخ 26/2/2013م في الطعن رقم (47547) وتتلخص وقائع القضية التي تناولها هذا الحكم أن غالبية الورثة تقدموا أمام المحكمة الابتدائية بدعوى ضد اخويهم الكبيرين الحائزين للتركة،حيث طلب المدعون في دعواهم بقسمة تركة والدهم فدفع المدعى عليهما بجهالة الدعوى وعدم بيان الحق المدعى به وفقاً للمادة (104) مرافعات، وقد توصلت المحكمة الابتدائية إلى الحكم ببطلان صحيفة الدعوى المرفوعة، وقد ورد ضمن أسباب الحكم الابتدائي (وحيث أن ما اثاره الدافعون من التجهيل بالحق المدعى به سديد لان المادة (271) مرافعات قد نصت على أنه يشترط لقبول الدعوى شكلاً أن تكون قد رفعت إلى المحكمة بالطريقة والإجراءات الصحيحة واذا تبينت المحكمة نقصاً أو بطلاناً في الإجراءات تامر باستكمال الناقص أو تصحيح الباطل وحيث أن الثابت أن المحكمة قد أمرت المدعين بتصحيح دعواهم وبيان الحق المدعى به بياناً كافياً نافياً للجهالة وحددت لهم ميعاداً إلا أنهم عجزوا عن ذلك فقدموا دعواهم المصححة ناقصة بعض البيانات) فلم يقبل المدعون بالحكم الابتدائي فقاموا باستئنافه وذكروا في استئنافهم بأنهم قد قدموا البيانات اللازمة التي تدل على صحة دعواهم، فقضت الشعبة الشخصية ببطلان الحكم الابتدائي، وقد جاء في أسباب الحكم الاستئنافي (فقد تبين للشعبة عدم موافقة الحكم الابتدائي للقانون حيث أنه خالف القانون مخالفة صريحة مما يستوجب بطلانه) فلم يقبل الاخوان المدعى عليهما فقاما بالطعن بالنقض في الحكم الاستئنافي إلا أن الدائرة المدنية قضت بإقرار الحكم الاستئنافي، وقد جاء في أسباب حكم المحكمة العليا (فمن خلال رجوع الدائرة إلى أوراق القضية فقد وجدت أن الطاعنين قد اثاروا في طعنهم الوقائع الموضوعية التي سبق لهم اثارتها أمام محكمة الموضوع التي ناقشت تلك الوقائع بموجب السلطة التقديرية المخولة لها كمحكمة موضوع ،ومن خلال ذلك توصلت الشعبة في حكمها المطعون فيه إلى نتيجة موافقة للشرع والقانون مما يستوجب رفض الطعن) وسيكون تعليقنا على هذا الحكم حسب ماهو مبين في الأوجه الأتية :

الوجه الأول : تحضير الدعوى قبل نظرها من قبل قاضي الموضوع :

أوجب قانون المرافعات على القاضي  دراسة الدعوى وفحصها قبل نظرها للتأكد من توفر اركان وشروط الدعوى وتوجيه المدعي باستيفاء النقص فيها  والتاكد من توفر الحد الادنى من أدلة الدعوى، وغالب القضاة الشباب يقومون بهذا الأمر، ولكن هذه المسألة تثير إشكاليات من أهمها القول بأن قاضي الموضوع يقوم بتلقين المدعي الذي يقدم دعوى فيأمره القاضي باستيفاء البيانات الناقصة، أي أن القاضي يلقن المدعي بجعل دعواه صحيحة مقبولة، ولذلك يذهب أصحاب هذا الاتجاه إلى أن الاولى هو استحداث نظام قاضي التحضير الذي يكون مختصا بدراسة الدعاوى وتوجيه المدعين باستيفاء النقص مثلما هو الحال في الدول المتقدمة في القضاء كفرنسا حيث يقتصر عمل قاضي التحضير على دراسة وفحص صحيفة الدعوى فاذا تأكد قاضي التحضير من توفر اركان وشروط الدعوى وادلتها قام بإحالتها إلى قاضي الموضوع لنظرها والفصل فيها، ولو تم فحص الدعوى ودراستها لتم التأكد من توفر شروط واركانها وادلتها ومن ثم يترتب عل  ذلك سرعة الفصل في الدعاوى وتبعا لذلك سيتم  تلافي الدفع وطلبات التصحيح للدعوى اثناء إجراءات التقاضي،وسوف يترتب على ذلك التقليل من الطعون في الأحكام والقرارات، ولا شك أن ذلك سيكون اسهاما في تسريع إجراءات التقاضي.

الوجه الثاني : إشكالية إثبات الحق المدعى في التركات ودعاوى القسمة :

من المقرر وفقاً لأحكام الشرع وقانوني الإثبات والمرافعات أن المدعي هو يجب عليه أن يقدم للمحكمة الأدلة المثبتة لدعواه، ولذلك لاحظنا أن الحكم الابتدائي قد اعتمد قاعدة (البينة على المدعي) ولذلك قضى بعدم قبول الدعوى لعجز المدعي عن بيان الحق المدعى به أي اثبات أموال التركة المطلوب قسمتها، وهنا تظهر خصوصية دعوى القسمة وإشكالية إثبات أموال التركة ومن ثم إشكالية إثبات دعوى القسمة ذاتها، لان المدعي المطالب بالقسمة لا تتوفر لديه أية بيانات أو مستندات عن أموال التركة حيث توجه دعوى القسمة إلى الحائز المتصرف القائم على اموال التركة الذي يدير التركة، فهذا المدعى عليه هو الذي تتوفر لديه مستندات وأدلة وبيانات أموال التركة ،فيكون المدعي في دعوى القسمة عاجزاً في الغالب عن إثبات الحق المدعى به أي أموال التركة، ولذلك فأن القاضي الماهر عن نظره في دعوى  القسمة يتحقق أولاً من الوارث  الحائز للتركة القائم عليها المتصرف فيها فيطلب منه القاضي  تقديم كشف بأموال التركة وأوصافها وأماكن وجودها، أو يطلب من الورثة تقديم كل واحد منهم كشف بأموال التركة التي لديه أو لدى غيره ثم يطلب من الحائز لها القائم عليها بإثباتها، ونخلص من هذا الوجه إلى أن لدعوى القسمة خصوصية في إثباتها وإثبات ملكية المورث لأموال التركة المطلوب قسمتها، ولذلك لاحظنا أن الحكم الابتدائي في القضية التي تناولها الحكم محل تعليقنا قد أخطأ في تطبيق القانون بل أنه خالف القانون مخالفة صارخة عندما اغفل خصوصية إثبات دعوى القسمة، فالورثة المدعون كانوا قد ذكروا في دعواهم المصححة أموال التركة ونوعها وذكروا انها في حيازة وتصرف الاخوين الكبيرين المدعى عليهما وعندئذ كان ينبغي على المحكمة الابتدائية أن تكلف المدعى الحائز للتركة ان يثبت او ينفي  أن  الأموال التي بحوزته  من التركة  أو يثبت اختصاصهما بتلك الأموال،وانها ملك خاص به،والله اعلم.

رقابة المحكمة العليا على تقدير الدليل أ.د/ عبد المؤمن شجاع الدين الأستاذ بكلية الشريعة والقانون – جامعة صنعاء

رقابة المحكمة العليا على تقدير الدليل

أ.د/ عبد المؤمن شجاع الدين

الأستاذ بكلية الشريعة والقانون – جامعة صنعاء

من المسلم به أن تقدير الدليل مسألة موضوعية تخضع للسلطة التقديرية لمحكمة الموضوع، ولكن هذه السلطة التقديرية تخضع لرقابة المحكمة العليا، ولا ريب أن هناك أسباب موجبة تبرر رقابة المحكمة العليا في هذا الشأن، ولأهمية هذه المسألة فقد اخترنا التعليق على الحكم الصادر عن الدائرة المدنية بالمحكمة العليا في جلستها المنعقدة بتاريخ 24/12/2012م في الطعن (47541) وتتلخص وقائع القضية التي تناولها هذا الحكم أن المدعي تقدم أمام المحكمة الابتدائية بدعوى مفادها أنه اشترى من المدعى عليه عمارة بمبلغ خمسة مليون ريالاً فقام بدفع اثنين مليون ريالاً وقبل أن يقوم بدفع بقية المبلغ قام البائع نفسه بإعادة بيع العمارة ذاتها لشخص آخر، وطلب المدعي في دعواه تسليمه العين المبيعة  وإبطال البيع الثاني ،إلا أن المحكمة الابتدائية قضت بعدم قبول الدعوى لعجز المدعي عن اثباتها، فقام المدعي باستئناف الحكم الابتدائي وذكر في الاستئناف أنه قد قام بإثبات دعواه بشهادة ثلاثة شهود شهدوا على انعقاد العقد بقول البائع بعت والمشتري اشتريت إلا أن محكمة الاستئناف قضت بتأييد الحكم الابتدائي فلم يقبل بذلك المشتري المستأنف فقام بالطعن في النقض حيث قبلت الدائرة المدنية الطعن ونقضت الحكم الاستئنافي ، وقد ورد ضمن أسباب حكم المحكمة العليا (وحيث أن ما نعاه الطاعن من مخالفة الحكم المطعون فيه للقانون صحيح، فاذا كان لمحكمة الموضوع تقدير أقوال الشهود دون رقابة عليها من المحكمة العليا أو تعقيب فأن شرط ذلك مرهون بعدم اخراج هذه الأقوال عن سياقها ومعناها وتوجيهها إلى ما لا يؤدي اليه مدلول تلك الشهادات، فاذا كان لمحكمة الموضوع مطلق الحرية في تقدير الدليل والبرهان دون معقب عليها فأن على محكمة الموضوع  أن تورد من الأسباب ما يكون سائغاً ومقبولاً يؤدي إلى النتيجة التي قضت بها والا يكون هذا التقدير مبنياً على سبب مخالف للثابت في الأوراق واقوال الشهود،  فاذا كانت محكمة الموضوع قد ذهبت في أسباب حكمها الى ان الشهادة التي تمسك بها الطاعن واوردها كانت مجمله لا تصلح دليلاً ناهضاً للقطع بثبوت الدعوى لانها شهادة مشوبة بالتهافت والتناقض وعدم المطابقة للدعوى فأن الحكم المطعون فيه يكون مبنياً على غير أساس صحيح وعلى سبب لا سند له في الأوراق حيث خالف بذلك تطبيق أحكام المادة (49) إثبات التي تنص على أن لا تبطل الشهادة حال اختلاف الشاهدين في الالفاظ اذا اتفقا في المعنى، مما يستوجب نقض الحكم) وسيكون تعليقنا على هذا الحكم حسب ماهو مبين في الأوجه الأتية :

الوجه الأول : ماهية تقدير الدليل :

تقدير الدليل هو سلطة قانونية جعلها القانون مناطة بمحكمة الموضوع حيث أوجب عليها أن تقوم بدراسة الدليل المعروض أمامها ومناقشته وبيان أوجه القوة والضعف فيه والموازنة بينه وبين الادلة التي استدل بها الخصم الاخر وبيان أوجه الترجيح بين الأدلة وسبب اخذ قاضي الموضوع بالأدلة التي اخذ بها وسبب طرحه للأدلة التي لم يأخذ بها، وقد اناط القانون بقاضي الموضوع هذه السلطة التقديرية، لان الدليل يحتاج إلى مناقشة موضوعية تتم أولاً عند الترافع بين الخصوم اثناء إجراءات التقاضي أمام قاضي الموضوع ثم المناقشة الموضوعية التي يقوم بها قاضي الموضوع عند تسبيبه للحكم، ولان تقدير الادلة عملية قضائية موضوعية فقد كان من المناسب أن تسند هذه العملية إلى محكمة الموضوع وفي الوقت ذاته فأن هذا الاعتبار يجعل المحكمة العليا باعتبارها محكمة قانون غير مختصة أصلاً بتقدير الأدلة فلا تختص  المحكمة العليا بهذه العملية الموضوعية وأن كانت قضائية وهذا هو الأصل.

الوجه الثاني : رقابة المحكمة العليا على السلطة التقديرية لمحكمة الموضوع في تقدير الأدلة :

صرح الحكم محل تعليقنا بأن تقدير الأدلة يخضع للسلطة التقديرية لمحكمة الموضوع وقد ذكرنا في الوجه الأول مظاهر هذه السلطة واسبابها وأن الأصل الا تمتد اليها رقابة المحكمة العليا من قناعة قاضي الموضوع وتقديره اذا كان ذلك لايخالف القانون ولا الثابت في اوراق القضية ، إلا أنه من المقرر في قضاء محكمتي النقض بمصر وفرنسا أن محكمة النقض تقوم بدراسة المسائل الموضوعية الواردة في ملف القضية للتأكد مما اذا كانت محكمة الموضوع قد التزمت بالفعل بحدود وضوابط السلطة التقديرية لمحكمة الموضوع فيما يتعلق بالدليل المعروض عليها، لان هذا ركن ومظهر أصيل من مظاهر الرقابة القانونية لمحكمة النقض إضافة إلى أن المحكمة العليا تختص بدراسة وبحث المسائل الموضوعية اذا كان ذلك لازماً لمعرفة سلامة تطبيق محكمة  الموضوع للقانون مثلما اشار الحكم محل تعليقنا إلى خطأ الحكم الاستئنافي في تطبيق النصوص القانونية المتعلقة بالشهادات وتطابقها في المعنى وأن اختلفت في الالفاظ حسبما هو مقرر في قانون الإثبات على النحو المشار اليه في أسباب حكم المحكمة العليا محل تعليقنا، فقد ناقش حكم المحكمة العليا مجموع الشهادات التي تدل على وقوع البيع بقول البائع بعت والمشتر وكذا ناقش حكم المحكمة العليا خطأ الحكم الاستئنافي في تطبيق أحكام البيع التي نصت على انعقاد البيع بأي لفظ يدل عليه فلم تشترط الكتابة إضافة إلى اقرار كاتب العقد بوقوع البيع فقد ناقشت المحكمة العليا تلك المسائل الموضوعية حتى تتأكد مما اذا الحكم المطعون فيه بالنقض قد خالف القانون او اخطا في تطبيق القانون على المسائل الموضوعية التي اثارها الحكم الموضوعي عند تقديره للدليل.

الوجه الثالث : القيمة العلمية للحكم محل تعليقنا في تحقيق الرقابة الفعلية على سلامة تطبيق القانون :

كان البعض يردد أن المحكمة العليا في اليمن تكتفي في احكامها بمقولة (فتقدير الدليل يخضع للسلطة التقديرية لمحكمة الموضوع فلا يخضع ذلك لسلطان المحكمة العليا) حيث لا تناقش المحكمة العليا هذا التقدير مهما كانت مخالفة حكم محكمة الموضوع في تطبيق القانون على المسائل الموضوعية،  فمن خلال مطالعتنا للحكم محل تعليقنا نجد أنه قد ناقش المسائل الموضوعية بغرض التأكد من سلامة تطبيق القانون على المسائل والوقائع الموضوعية، فهذا الحكم الرائع يدل على أن المحكمة العليا في اليمن تضطلع بدورها الرقابي على سلامة تطبيق أحكام محاكم الموضوع للقانون بإعتبار ذلك أهم وظيفة تباشرها المحكمة العليا،والله اعلم.

19‏/11‏/2021

حقوق الانسان في الوثائق الانكليزية القديمة شبكة جامععة بابل

انت هنا الان : شبكة جامعة بابل > موقع الكلية > نظام التعليم الالكتروني > مشاهدة المحاضرة

حقوق الانسان في الوثائق الانكليزية القديمة

More Sharing ServicesShare|Share on facebookShare on twitterShare on emailShare on print

الكلية كلية القانون     القسم قسم القانون العام     المرحلة 1 
أستاذ المادة منى عبد العالي موسى المرشدي       12/22/2011 12:46:06 PM

الفصل الثاني 
وثائق حقوق الإنسان القديمة 

تم تخصيص هذا الفصل لعرض مضامين أهم وثائق حقوق الإنسان القديمة ، الانكليزية والأمريكية والفرنسية .
ولاشك في إن أهم وثائق حقوق الإنسان الانكليزية القديمة هي : اتفاق ( ماجنا كارتا ) لعام 1215 و ملتمس الحقوق لعام 1628 . 
بينما كانت أهم وثائق حقوق الإنسان الأمريكية القديمة هي : وثيقة استقلال الولايات المتحدة الأمريكية لعام 1776 ، و وثيقة الحقوق لعام 1791 .
أما أهم وثائق حقوق الإنسان الفرنسية القديمة فهي : إعلان حقوق الإنسان والمواطن الفرنسي لعام 1789 .
وعلى أساس ذلك ، فقد تم تقسيم هذا الفصل إلى ثلاثة مباحث ، وكما يأتي :
- المبحث الأول : الوثائق الإنكليزية 
- المبحث الثاني : وثيقة استقلال الولايات المتحدة الأمريكية و وثيقة الحقوق
- المبحث الثالث : إعلان حقوق الإنسان والمواطن الفرنسي لعام 1789 





المبحث الأول
الوثائق الإنكليزية
إن من أهم وثائق حقوق الإنسان الانكليزية القديمة هي وثائق ( ماجنا كارتا ) لعام 1215 و ملتمس الحقوق لعام 1628 . 
لذا سوف نقسم هذا المبحث إلى فرعين وكما يأتي :
الفرع الأول - اتفاق ( الماجنا كارتا ) لعام 1215 .
الفرع الثاني -ملتمس وإعلان الحقوق الانكليزي . 
الفرع الأول
اتفاق ( الماجنا كارتا
Magna Charta ) لعام 1215 ( 1 ) 
بعد اعتلاء الملك هنري الأول عرش إنكلترا عام 1100 أصدر ميثاق الحريات ، الذي نظم آلية التعامل بين الملك و رجال الكنيسة والنبلاء .
و في عام 1066 حكم بريطانيا ( النورمانديون ) الذين قدموا من شمالي فرنسا ، لأكثر من مائة عام ، احترموا فيها القوانين الإقطاعية و العدالة ، دون أن تكون هناك رقابة فاعلة على سلطة الملك. 
ولكن لما تولى الملك جون العرش في عام 1199 أساء استخدام سلطته، فطالب الإقطاعيين بمزيد من الخدمات الحربية أكثر مما طالبهم الملوك الذين سبقوه، وباع الوظائف الملكية لأكبر المزايدين. وزاد من أعباء الضرائب دون الحصول على موافقة النبلاء الإقطاعيين، خلافا لما جرى به العرف الإقطاعي. وكانت المحاكم في عهد الملك جون تفصل في القضايا حسب رغبته وأوامره لا طبقًا للقانون. ومن خسر دعواه تعرض لدفع غرامة ضخمة .
وفي عام 1213 اجتمعت جماعة من النبلاء مع قيادات الكنيسة في ( سانت ألبانز ) ، بالقرب من لندن، ونادوا بالحد من سلطة الملك، وصاغوا قائمة الحقوق التي طالبوا أن يمنحهم إيّاها، ولكنّه رفض الاستجابة لمطالبهم مرتين. وعقب ذلك، حشد النبلاء جيشًا لإجبار الملك على تحقيق مطالبهم. ورأى جون أنّه لا يستطيع هزيمة الجيش المناوئ، فوافق على المطالب في 15 يونيو 1215. وبعد أربعة أيام، أصدر عددًا من المواد في صورة وثيقة ملكيّة مكتوبة بصياغة قانونية، وتمّ توزيع صور منها في سائر أرجاء المملكة .
وفي عام 1215 قام رئيس أساقفة كاتدرائية كانتر بيري ( ستيفين لانجتون ) بدور المصلح المحايد بين النبلاء والملك، لكنه من الناحية الفعلية كان يميل إلى النبلاء ، حيث قدم لهم المساعدة بصورة سرية في تنظيم طلباتهم .
وفي الخامس عشر من شهر يونيو-حزيران من عام 1215 ( * ) ، التقى النبلاء والملك في منطقة ( راني ميد )( ** ) ، حيث قدم النبلاء الذين حضروا اللقاء مدججين بالسلاح مطالباتهم ، التي وافق الملك جون عليها مضطرا .
وسمي هذا الاتفاق باسم ( ماجنا كارتا ) وهما كلمتان لاتينيتان ، معناهما في اللغة العربيّة العهد الأعظم . وكان الاتفاق يمثل إحدى المحاولات الهادفة إلى تحديد سلطة الملك وحقوق الشعب .
وهكذا صدرت وثائق ( الماكنا كارتا - العهد الأعظم ) عام 1215 ، وقد كان جزء منها قد استند على وثيقة ميثاق الحريات ، وقد قيدت تلك الوثائق سلطات الملك من جهة وقامت بحماية حقوق البارونات والنبلاء . وقد أثرت الماكنا كارتا في مختلف دساتير الدول ووثائق وإعلانات حقوق الإنسان اللاحقة .
لقد ضاعت النسخة الأصلية من الماجنا كارتا والتي تحمل ختم الملك جون منذ وقت طويل ، حيث لم يرغب الملك بالحفاظ على سجل يبرز إذلاله ، لكن النسخة التي حفظت في ساليبزبوري، كانت واحدة من أصل أربع نسخ تم توزيعها عام 1215 .
أصبحت الماجنا كارتا أداة ضغط مهمة بيد النبلاء ، لأنها أجازت لهم استخدام القوة ضد الملك جون في حالة تنصله من تنفيذ هذا الاتفاق الذي منح الأرستقراطية البريطانية كثيرًا من الحقوق، بينما لم ينل المواطن البريطاني العادي سوى قليل جدا من الحقوق .
وهكذا فأن وثيقة الماجنا كارتا لم تكفل الحريات الفرديّة لجميع أفراد الشعب ، لكنها في القرون اللاحقة، أضحت نموذجًا يحتذى بالنسبة لأولئك الذين طالبوا بإقامة حكومات ديمقراطية وكفالة الحقوق الأساسية لكل مواطن. أما في الوقت الذي صدرت فيه، فكانت أهميتها الكبرى في إخضاع الملك لحكم القانون، ومقاومة السلطة المطلقة .
ومن الجدير بالذكر أنه ، اشتملت ( الماجنا كارتا ) على ( 63 ) مادة ، تعهد الملك في معظمها بالالتزام بالقانون الإقطاعي. وكانت تهدف أساسًا لحماية مصالح النبلاء والمنتمين إلى الطبقة الإقطاعية. ومنحت بعض المواد الكنيسة حرية ممارسة سلطاتها دون تدخل من الملك. ولم تكن هناك غير مواد قليلة كفلت بعض الحقوق الناشئة للطبقة الوسطى في المدن ، ولم يذكر المواطنون العاديون وغيرهم من المزارعين في الوثيقة إلاً نادرًا رغم أنهم الأكثرية الغالبة من السكان. 
وأضحت بعض مواد الوثيقة المطبقة على الطبقة الإقطاعية في عام 1215 ، مواد ذات أهمية وفائدة لكلّ أفراد الشعب فيما بعد. فلقد نصّت الوثيقة مثلاً، على أنه يجب على الملك أن يسعى للحصول على مشورة وموافقة النبلاء في كلّ المسائل المهمة في بريطانيا. ونصّت أيضًا على أنه لا يجوز زيادة أيّ ضرائب خاصة إلا بموافقة النبلاء. واستخدمت هذه المواد فيما بعد، لتأييد الحجة القائلة أنه لا يجوز إصدار قانون أو فرض ضريبة دون موافقة البرلمان الإنكليزي (الجهاز التشريعي الممثّل للشعب( .
وصارت بعض المواد الأخرى أساسًا للعدل في العصر الحديث ، فلقد نصّت إحداها على أنّه لا يقبض على رجل حر، أو يسجن، أو ينزع ملكه، أو يخرج من حماية القانون، أو ينفى، أو يؤذي بأي نوع من الإيذاء... إلا بناء على محاكمة قانونية أمام أقرانه ( أي المساوين له في المدينة ) أو بمقتضى قانون البلاد .
كما نصت الماكنا كارتا على أن : " تكون الكنيسة حرة من التدخلات الملكية بشؤونها ولا يعتدى على شيء من حقوقها وحرياتها. ونظمت حقوق الملك بتدقيق الغرامات والواجبات المالية للنبلاء عندما تسلم أراضيهم بعد وفاتهم إلى ورثتهم " .
و نصت على أن : لن يسلب أي رجل حر أملاكه ، أو يسجن على يد رجال آخرين مساوين له إلا إذا خضع لمحكمة عادلة ، أو لن تباع العدالة لأحد ولن تنكر على أحد، ولن تؤخر عن أحد ، ويجب ألا يطول حبس إنسان من غير محاكمة . وفي نص آخر تم التأكيد أيضا على عدم بيع العدالة أو حقاً من الحقوق لإنسان ما ولن يحرم منها إنساناً ما .
أما بالنسبة للتجار فقد نص الاتفاق على أن يتمتع جميع التجار بحق الدخول في إنجلترا والإقامة فيها والمرور بها براً أو بحراً سالمين مؤمنين للشراء والبيع... دون أن تفرض عليهم ضرائب غير عادلة .
وتضمنت الماجنا كارتا كثيرًا من المواد التي قُصد بها إلزام الملك بتنفيذ وعوده، ومن ثم شُكّل مجلس من النبلاء لضمان جديّة التنفيذ. فإن أخلَّ الملك بما التزم به ولم يأبه بإنذارات مجلس النبلاء، حشد المجلس جيشًا لإجباره على الانصياع لأحكام الوثيقة.
ولم تحسم الماجنا كارتا الصراع الذي دار بين الملك جون والنبلاء. ولم يقصد أي من الجانبين الالتزام بها التزامًا كاملاً. وما لبث أن نشبت الحرب بين الطرفين، ثم تُوفي الملك جون أثناءها في سنة 1216 , ولكن ملوك إنجلترا قد وافقوا في السنوات اللاحقة على شروط هذه الوثيقة. واعتُرف بها بمثابة جزءًا من القانون الأساسي لإنكلترا. وخلال القرن السادس عشر توارت الماجنا كارتا إلى حد كبير، بيد أنّ بعض أعضاء البرلمان بعثوا فيها الحياة من جديد خلال القرن السابع عشر الميلادي، وظلّ البرلمانيون يستخدمون موادها في مواجهة الحكم الاستبدادي لملوك آل ستيوارت، واعتبروا ما ورد بها يخولهم رقابةً دستوريةً على سلطة الملك. واحتجوا ببعض موادها لتدعيم حججهم بالأسانيد القانونية، مثل عدم جواز إصدار قانون أو فرض ضريبة إلا بموافقة البرلمان، واستندوا إليها في المطالبة أيضًا بضمانات للمحاكمة أمام هيئة محلّفين، والحماية ضد الحبس التعسفي، وغير ذلك من الحقوق.
4-تكون حرية الرأي والتعبير في البرلمان مكفولة ومُصانة .

1
1-
كتاب قيد الانجاز للدكتور علي هادي حميدي 

 

التقاء الساكنين بين الحقيقة والوهم (* ) د. جعفر نايف عبابنة الجامعة الأردنية

التقاء الساكنين بين الحقيقة والوهم ( )

د. جعفر نايف عبابنة

الجامعة الأردنية

تمهيد:
قضية التقاء الساكنين قضية صوتية مهمّة، عني بها الباحثون العرب قديماً وحديثاً، واختلفت فيها الآراء ومناهج التحليل.

ويعد التقاء الساكنين من أهم علل الحذف لدى العلماء العرب القدماء في باب الإعلال خاصة. غير أنه قد علقت به بعض الأوهام، وفُسِّرت به خطأً كثير من التغيرات والسلوكات الصرفية.

ويتم التقاء الساكنين عند القدماء في أربع صور. الصورة الأولى منها هي التقاء ساكنين كلاهما حرف صحيح (أي صامت بعرف المحدثين). والثانية هي التقاء ساكنين أولهما حرف مد وثانيهما حرف صحيح. والثالثة التقاء ساكنين كلاهما حرف مدّ. والرابعة التقاء ساكنين أولهما حرف صحيح وثانيهما حرف مدّ. أما النوعان الأول والثاني فهما المبوب لهما في كتب الصرف ويُتناولان في باب  التقاء الساكنين خصوصاً. وأما النوعان الآخران فليس مبوباً لهما في كتب الصرف، وتتناثر الإشارات إليهما في ثنايا الحديث عن بعض السلوكات  الصرفية، أو في المعالجات الصوتية لبعض الصيغ والتغيرات  الصرفية. ولا بد للباحث من التنقيب عن تلك الإشارات في كتب الصرف والأصوات لتكوين فكرة شاملة عنهما.

ويتصل التقاء الساكنين اتصالاً وثيقاً بكثير من القضايا الصوتية، من مثل طبيعة المدّ واللين، وعلاقة الحركات بحروف المدّ واللين، وقضية المتحرك والساكن، والبناء المقطعي للغة العربية.

فمن المفاهيم الشائعة لدى القدماء أن حرف المدّ هو حرف العلة الساكن المسبوق بحركة من جنسه، مثل الألف في قامَ وسارَ وكِتاب، والواو في نُور وسُوق وعَجُوز، والياء في ديِن وسَعيد وعَرِين. وحرف اللين هو الواو أو الياء الساكنتان المسبوقتان بفتحة([1])، مثل الواو في حَوْض وذَوق، والياء في بَيْت وزَيْت. وحرف العلة عندهم هو الواو والياء المتحركتان كالواو في وَرَق والياء في يُسْر، وهما مضارعتان للحروف الصحيحة لاحتمالهما الحركة.

على أن مفهوم العلة بإطلاقه يشمل عندهم الألف، والواو  والياء من الأنواع السابقة كلها. وهي الحروف التي اتَّسعت مخارجها، وتميز  نطقها باليسر والسهولة، وخرجت من تجويف الفم بلا إعاقة أو اعتراض لهواء الصوت([2]). وهذا ما يميزها عن سائر الحروف الصحيحة في الألفباء العربية. ولعله أساس التقسيم إلى صحاح وعلل. وتتميز حروف العلة من الناحية الصرفية عندهم بكثرة تبدّلها وتحوّلها وعدم استقرارها، على العكس مما نراه في الحروف الصحيحة التي تتميز بقدر كبير من الثبات.

وقد جمع القدماء بين حروف المدّ واللين في مجموعة صوتية واحدة، على الرغم من التفريق النظري بينهما، وملاحظة أن حروف اللين تتصرف كالحروف الصحيحة في مواضع متعددة. فإذا التقى ساكنان أولهما حرف لين كالواو في اخْشَوْا والياء في اخْشَيْ، يُتَخَلَّصُ من التقاء الساكنين بإدخال حركة بعد حرف اللين (اخْشَوُا الله، اخْشَيِ الله) تماماً كما يحدث بين الساكنين الصحيحين، وإذا التقي ساكنان أولهما حرف مدّ، حُذِفَ حرف المدّ كحذف الواو والياء المدّتين في الفعلين المجزومين لم يَقُمْ ولم يَسِرْ ([3]).

ولذلك لم يكن القدماء يميزون –أو يحفلون بالتمييز- بين واو المد في يركضون وواو اللين في يَسْعَوْنَ، أو بين ياء المدّ في تشربِين وياء اللين في تَخْشَيْنَ. وكانوا يجمعونهما في اللفظ هكذا: حروف المدّ واللين. وربما أشاروا إلى اللين بالمد([4])، أو إلى المدّ باللين([5]).

بل حاول بعض العلماء تصنيف الألف على أنها حرف مدّ ولين معاً، لأنها ساكنة مسبوقة بحركة من جنسها، وساكنة مسبوقة بفتحة. وهذا قول غير صحيح بتاتاً، ومبني على استدلال منطقي لا على الحقائق الصوتية نفسها، فالألف من حيث طبيعتها الصوتية لا تكون إلاّ حرف مدّ، أي حركة طويلة خالصة، كما سنبينه بعد قليل.

وثمة خلاف بين القدماء والمحدثين في النظرة إلى حروف المد واللين. فالمحدثون ينكرون أن تكون حروف المد مسبوقة بحركات من جنسها، لأن حروف المد هي أنفسها حركات، وليس هناك تركيب في الحركات، فالحركة لا تدخل على الحركة من جنسها أومن غير جنسها، طويلة كانت أو قصيرة، ولا بد من وجود فاصل بين حركة وأخرى، كما تقضي بذلك قوانين التركيب المقطعي في العربية التي تمنع أن تتوالى حركتان في المقطع الواحد، وتفرض أن يفصل بين  الحركة وأختها صامت أو شبهه([6]).

وينكر المحدثون كذلك أن تكون حروف المد ساكنة، إذ إنها حركات والحركة لا تكون سكوناً، لأنها منافية للسكون بطبعها ([7]). وهم يفسرون قول القدماء بسكونها بأنهم رأوها غير قابلة للحركة، لأنها متحركة بحركة ذاتها فأشبهت الساكن الذي لا يحرك، أو رأوها من الناحية الكمية مساوية لحركة وحرف صحيح ساكن في العروض؛ فالسبب الخفيف (لا) المؤلف من ساكن هو اللام، وحركة هي فتحة تصوروها تسبق حرف المد، ومد هو ألف- يساوي من حيث الإيقاع الكمي السبب الخفيف (لَنْ) المؤلف من ساكن هواللام وحركة هي الفتحة وساكن هو النون، ولو وضع أحدهما مكان الآخر لما حدث خلل في الوزن. وربما نسبها القدماء إلى السكون لأنهم رأوا أنها من حيث الرسم الكتابيّ غير متلوة بحركات قصيرة ([8]).

ويفصل المحدثون الواو والياء اللينتين عن سائر حروف المد، ويلحقونهما من حيث النوع بالواو والياء المتحركتين، مستندين بذلك إلى فروق أساسية بين حروف المد من ناحية، والواو والياء اللينتين أو المتحركتين من ناحية أخرى. فحروف المد لا يصاحب نطقها أي احتكاك أو اعتراض لمجرى الهواء، ولا تفتتح المقاطع ولا تغلقها، ويسمى المقطع المنتهي بها مفتوحاً، ولا تكون من حروف المادة الأصلية. أما الواو والياء اللينتان أو المتحركتان فيرافق نطقهما احتكاك ما أي نوع ضعيف من الحفيف، وتفتتحان المقاطع وتغلقانها، فالواو المتحركة في (وَقَف) تفتتح مقطعاً والواو الساكنة في (مَوْقِف) تغلق مقطعاً.

والواو والياء اللينتان أو المتحركتان لا يمكن لهما أن تكونا قمة المقطع العربي أو نواته أي العنصر الحركي فيه؛ فمعلوم أنه لا بد لكل مقطع من عنصر صائت يشكل قمته أو نواته، وهو الجزء الذي يحمل أقصى التوتر فيه ويقع عليه  النبر، فلا يقوم بهذه الوظيفة في العربية إلاّ حركة قصيرة أو حركة طويلة (أي حرف مدّ). ولا تقوم الواو أو الياء اللينتان أو المتحركتان بهذه الوظيفة على الرغم من شبههما بالحركات لاتساع مخرجهما.

وما حروف المدّ عند المحدثين إلاّ حركات طويلة خالصة؛ فالألف هي فتحة طويلة، وواو المدّ هي ضمّة طويلة، وياء المدّ هي كسرة طويلة؛ وبذلك يُخْرِجون من الحروف الصحاح الألف والواو والياء المدتين ويلحقونهما بالحركات أو الصوائت. وهم يُدْخِلون في الصحاح أو الصوامت الواو والياء اللينتين أو المتحركتين، مع اعترافهم بأن الواو والياء اللينتين أو المتحركتين تشبهان الحركات أو الصوائت من حيث اتساع مخرجهما، وإن كان –على أية حال- أقل من اتساعه مع الحركات الخالصة، أي حروف المدّ ومقابلاتها القصيرة وهي الفتحة والضمّة والكسرة، ويسمح بنوع ضعيف من الحفيف([9]).

ولذلك تقع الواو والياء اللينتان أو المتحركتان موقعاً فريداً في النظام الصوتي العربي، فيصحّ أن نطلق عليهما –لاتساع مخرجهما- أشباه الحركات أو الصوائت أو العلل، وأن نطلق عليهما كذلك أشباه الصحاح أو الصوامت ([10])، لشبههما بالصوامت من حيث طبيعتهما النطقية التي تتطلب نوعاً من الاحتكاك، ومن حيث الوظيفة التي تؤديانها في المقطع والجذر والسلوكات الصرفية بعامة، ولقبولهما الحركة والسكون كالصوامت تماماً. وسنحاول في هذا البحث أن نبرز طبيعتهما الصامتة، لأنها أحد المداخل لتوهين آراء بعض القدماء فيما يخصّ التقاء الساكنين.

ومن أوجه  الفرق كذلك بين القدماء والمحدثين فيما يخص طبيعة المدّ واللين وعلاقة الحركات بهما، ما يراه القدماء من أن الحركات المجانسة التي تسبق حروف المدّ يمكن أن تنقل إلى الحرف الذي يسبقها، وأنها يمكن أن تحذف وتختزن ثم تسترد لتأخذ مكانها في موضع آخر، بعد إجراء تغييرات لفظية معينة. وعند المحدثين أن هذا غير صحيح وأن لا وجود أصلاً لحركات مجانسة تسبق حروف المد، وأن هذا محض خيال.

ومن الأفكار الأساسية عند القدماء فكرتهم عن المتحرك والساكن التي بنوا عليها تقسيماتهم العروضية وربّما الصرفية. فالمتحرك عندهم هو الحرف الصحيح أو الصامت الذي تتلوه حركة. والساكن يأتي على ضربين: ساكن يمكن تحريكه، وساكن لا يمكن تحريكه. والأول منهما يشمل جميع الحروف ما عدا الألف، والثاني هو الألف في نحو كتاب وحساب وباع وقام([11]).

ويفهم من كلام القدماء بهذا الخصوص أن الساكن الذي يمكن تحريكه هو الحرف الصحيح، فهو قابل للحركة وللسكون، وأن الساكن الذي لا يمكن تحريكه هو حرف المدّ الألف، فهو الأصل في السكون لأنه لا يأتي إلا ساكناً. ويُحْمَلُ عليه الواو والياء المدّتان لأنهما تشبهانه في لزوم السكون وعدم التحريك. أما الواو والياء المتحركتان فهما قابلتان للحركة كالحروف الصحيحة.

وعند المحدثين أن الحروف الصحيحة أو ما يسمى بالصوامت هي وحدها التي تقبل الحركة والسكون، ويلحق بها الواو والياء اللينتان والمتحركتان. أما حروف المدّ فلا تقبل الحركة ولا السكون، ومن الخطأ وصفها بالسكون، لأنها  –كما أسلفنا- حركات منافية بطبعها للسكون([12]).

ورأوا في قول القدماء بسكون حروف المد بذور فكرة منطقية مؤدّاها أن حروف المد ما دامت لا يمكن أن تصفها بالحركة فلا بد أن تكون ساكنة، وبذور فكرة عروضية مفادها أن حرف المد والمتحرك الذي قبله يمكن تمثيله بالرمز (-5) ([13]).

وبربط كثير من المحدثين ظاهرة التخلص من التقاء الساكنين بالتركيب المقطعي في اللغة العربية الفصيحة، ويرون أن إدخال الحركة بعد الساكن الأول عند التقاء صحيحين ساكنين، وتقصير حرف المد (ويسميه القدماء حذفاً) عند التقاء ساكنين أولهما حرف مد وثانيهما حرف صحيح، إنما يجري للتخلص من تركيبين مقطعيين يستثقلهما الذوق اللغوي العربي، وهما المقطع المزدوج الإغلاق (ص ح ص ص) المؤلف من صامت فحركة قصيرة فصامتين، والمقطع المغلق ( ص ح ح ص) المؤلف من صامت فحرف مدّ (حركة طويلة) فصامت([14]).

واضح إذاً أن المحدثين لا يقبلون كثيراً من حجج القدماء والأسس التي انطلقوا منها في بعض معالجاتهم الصرفية، مثل مساواتهم في النظرة بين حروف  المدّ واللين، ومثل القول بأن حروف المدّ ساكنة، وأنها مسبوقة بحركات من جنسها، وأن الحركات التي تصوروها تسبق حروف المدّ يمكن أن يتصرف فيها بالحذف والنقل، أو حذفها واختزانها لتظهر في مواقع جديدة بعد تطبيق قواعد معينة. كا أن المحدثين يربطون ما بين التقاء الساكنين والنسيج المقطعي للغة العربية.

ومن هذه المآخذ على كلام القدماء وغيرها، وبناء على معطيات علم الأصوات الحديث، نمضي في تناول موضوع التقاء الساكنين، مثبتين ما يصح أن ينسب حقيقة إلى هذا الباب، وكاشفين عمّا ليس منه، كل ذلك مدعوماً بالحجج والبراهين والتفسيرات الملائمة.

 



.[1]  وقد يقصدون بحرف اللين الواو والياء الساكنتين غير المسبوقتين بحركة من جنسهما وهذا يشمل الفتحة وغيرها، وإن كان ما ذكرناه هو الأصل في اللين.

.[2]  انظر سيبويه، الكتاب 4/176، 436؛ وابن جني، سر صناعة الإعراب 1/8.

.[3]  انظر سيبويه، الكتاب 4/442؛ والأستراباذي، شرح الشافية 2/237؛ والمبرد، المقتضب 3/22.

.[4]  انظر سيبويه، الكتاب 4/174.

.[5]  انظر ابن جني، الخصائص 1/115؛ والمبرد، المقتضب 2/210، 3/22؛ الأستراباذي، شرح الشافية 2/215.

.[6]  انظر كمال محمد بشر، دراسات في علم اللغة القسم الأول، ص 201؛ وداود عبده، دراسات في علم أصوات العربية، ص 46 حاشية (2)؛ وأحمد الفيومي، أبحاث في علم أصوات اللغة العربية، ص79؛ والطيب البكوش، التصريف العربي من خلال علم الأصوات الحديث، ص74؛ وإبراهيم أنيس الأصوات اللغوية، ص40.

.[7]  انظر كمال محمد بشر، دراسات في علم اللغة  القسم الأول، ص55 حاشية (1) وص 201؛ وأحمد الفيومي، أبحاث في علم أصوات اللغة العربية، ص77؛ وداود عبده، دراسات في علم أصوات العربية ، ص47 حاشية (5)؛ وأحمد عبد العظيم عبد الغني، قضايا صرفية، ص60.

.[8]  انظر كمال محمد بشر، دراسات في علم اللغة القسم الأول، ص201-202؛ وتمام حسان، اللغة العربية معناها ومبناها، ص71؛ وغالب المطلبي، في الأصوات اللغوية، ص76-77؛ ومحمد العلمي، "الأسباب والأوتاد والفواصل"، ص 263.

.[9]  انظر كمال محمد بشر، علم اللغة العام –الأصوات، 79، 83-85، 132-135.

.[10]   انظر كمال محمد بشر، علم اللغة العام –الأصوات، ص86، 135.

.[11]  انظر ابن جني، الخصائص 2/337؛ وقابل بما عنده في: سرّ صناعة الإعراب 1/27-28.

.[12] انظر داود عبده، أبحاث في اللغة العربية، ص46 حاشية (5)؛ وتمام حسان، اللغة العربية معناها ومبناها، ص281.

.[13]  انظر تمام حسان، اللغة العربية معناها ومبناها، ص 280.

.[14]   انظر مثلاً غالب المطلبي، في الأصوات اللغوية، ص 223، 239، 242- 244؛ وعبد القادر الخليل، "ظاهرة التخلص من التقاء الساكنين في العربية الفصحى"، ص 176-178؛ وأحمد مختار عمر، دراسة الصوت اللغوية، 336-337؛ وكمال بشر، دراسات في علم اللغة القسم الأول، ص198.