البداية من المحكمة العليا

0

 

البداية من المحكمة العليا

إصلاح القضاء هاجسنا جميعًا، إلا أن هذه الإصلاحات يجب أن تكون من ناحيتين اثنتين:

·       الأولى: إصلاحات تتعلق بالتحديث والتطوير، أي بنية تحتية متكاملة، ورفد المحاكم بالكادر القضائي والإداري، وتوفير الإمكانيات المادية من أجهزة ومتطلبات أخرى للعمل القضائي.


·       الثانية: إصلاح العنصر القضائي، أي شخص القاضي، من خلال تأهيل الكادر القضائي العامل في المحاكم، وتطوير مهاراته، وتوفير كفايته، وتوفير متطلبات الحياة الكريمة له، وتفعيل مبدأ الثواب والعقاب، وتفعيل دور الرقابة والتفتيش. وبالنسبة للإصلاحات المتعلقة بالناحية الأولى فهي مهمة السلطة السياسية في الدولة (الحكومة ووزارة العدل تحديدًا). أما الإصلاحات المتعلقة بالناحية الثانية فهي مهمة السلطة السياسية ومهمة مجلس القضاء والتفتيش القضائي معًا. لكن حديثنا هنا عن الإصلاحات المتعلقة بالناحية الثانية (إصلاح العنصر القضائي وهو شخص القاضي تحديدا).

v  من أين يبدأ إصلاح العنصر القضائي؟

نحن نعلم أنه لكي يثمر إصلاح أي مؤسسة في الدولة، فإن الإصلاح يجب أن يبدأ من الأساس وينتهي إلى الرأس، إلا في القضاء.. ونقصد المعنى الحرفي للقضاء (قضاة الحكم)، فإن الإصلاحات هنا يجب أن تبدأ من الرأس وتنتهي إلى الأساس، ونقصد بالرأس هنا (المحكمة العليا).

 

v  لماذا يجب أن يبدأ الإصلاح من المحكمة العليا؟

·       المحكمة العليا للنقض والإقرار يجب أن تكون الحصن الحصين لحماية الحقوق والحريات، والحارس الأمين على تطبيق القانون على أقضية المتقاضين، ويجب أن تكون الركن الركين لكل المستضعفين. 

● المحكمة العليا يجب أن تكون ذلك القاضي الصارم في وجه كل من عليه الحق، أيًا كان، دون تمييز. المحكمة العليا هي آخر ملاذ للمتقاضين، وكلمتها سيف يقطع النزاع بصورة نهائية وباتة، فلا قول بعد قولها، ولا حكم بعد حكمها في الدنيا، ولا يبقى إلا حكم الله تعالى في الآخرة.

·       لذلك من الواجب أن تكون المحكمة العليا هي الحصن الذي يستحيل اختراقه من أي شخص، ويستحيل استمالته من أي جهة، ويستحيل الضغط عليه من أي قوة. لا يستطيع أحد أن يؤثر في إجراءاتها، ولا أن يستميل قضاتها، ولا أن يصل إلى أسرارها.

·       يجب أن تكون كذلك كونها آخر خط دفاع عن العدالة، إذا تم اختراق هذا الخط ضاعت العدالة ولم يعد هناك أي معنى للقانون، ولا جدوى من تدريسه بالجامعات والمعاهد لعدة سنوات، ولا قيمة لمهنة المحاماة.

·       لذلك يجب أن تكون أحكامها عادلة منصفة في كل الحالات دون تمييز، وفي جميع القضايا التي تعرض عليها دون انتقائية. ولو افترضنا أن لرئيس المحكمة العليا نفسه *(لن نقول رئيس الجمهورية حتى تكون أحلامنا واقعية)*، إذا كانت له قضية منظورة لدى إحدى دوائر المحكمة العليا نفسها، فإن ما يجب أن يكون عليه الوضع هو أن يكون رئيس المحكمة العليا عاجزًا عن التدخل في إجراءات الدائرة التي تنظر القضية، ولا يستطيع التأثير على أحد قضاة الدائرة التي تنظر القضية، ولا استمالته، وأنه لن يستطيع استغلال منصبه ومكانته للحصول على حكم لمصلحته.

·       ولذلك يجب أن يكون الوضع هو أن أي إنسان يستطيع أن يؤثر في قضاة المحاكم الابتدائية أو الاستئنافية يجب أن يؤمن أن المحكمة العليا بالمرصاد لأي حكم يخالف القانون، ويجب أن يكون المواطن الذي صدر  ضده حكم بالمخالفة للقانون مؤمنًا أن هذا الحكم لن يمر على المحكمة العليا، وأن المحكمة العليا له بالمرصاد طالما تحققت فيه مخالفات قانونية.

·       فصاحب المال الذي يؤثر في أحكام القضاء باستغلال أمواله يجب أن يعلم أن هذا الأسلوب لا يمكن استخدامه أمام المحكمة العليا. وعليه أن يوقن أنه حتى لو حصل على حكم من المحكمة الابتدائية أو من الاستئناف بصورة تخالف القانون، فإن المحكمة العليا له بالمرصاد، وأنه لو ينفق ملايين الدولارات لن يستطيع أن يخترق هذه المحكمة.

·       وهذا يعني أنه يجب أن نبدأ الإصلاح من المحكمة العليا أولًا قبل أي شيء.

v   مبررات بدء الإصلاح من المحكمة العليا:-

إنني أقترح بدء الإصلاحات من المحكمة العليا لعدة مبررات وهي كالتالي:

1.           إن المحكمة العليا محكمة واحدة، ومن السهولة توجيه الإصلاحات إليها وتركيز الجهود عليها بأقل الجهود وأيسر التكاليف، على خلاف توجيه الجهود إلى محاكم الاستئناف والمحاكم الابتدائية على امتداد الجمهورية، مما يهدر الجهود ولا يؤتي ثمار بسهولة. أما المحكمة العليا فهي محكمة واحدة، مقرها في العاصمة، قريبة من مجلس القضاء وقريبة من التفتيش.

2.           إن فيها عدد محصور من القضاة، وهذا العدد المحصور من السهولة اختيارهم وانتقائهم، ومن السهولة توفير كفايتهم واحتياجاتهم التي تكفل لهم حياة كريمة كونهم معدودين قد لا يتجاوز عددهم مائة قاضي.

3.           إن إصلاح المحكمة العليا سيكون له دور في تقليل مظاهر حالات (مخالفة القانون) في المحاكم الأدنى درجة. فذو المال الذي يستغل ماله سيعلم أن الطريق مقطوع أمامه عندما يصل النزاع أمام المحكمة العليا، لذلك سيكون مؤمنًا أنه مهما أنفق من أموال للحصول على حكم يخالف القانون، فإن هذه الأموال ستضيع هباءً منثورًا، لأن الحكم الذي سيحصل عليه باستغلال أمواله سيعرض على المحكمة العليا، وهذه المحكمة ليس بمقدوره اختراقها، وستتصدى للحكم المخالف للقانون، ولذلك سوف يحجم عن استغلال أمواله أو نفوذه في المحكمة الأدنى درجة، كونه يعلم أن رأس الهرم سيف يمزق أي مخالفة، ولا يستطيع كسر هذا السيف أو اختراقه.

4.           إن تحصين المحكمة العليا من الاختراقات يجعل قضاة المحاكم الأدنى درجة يبذلون حرصًا أكبر في أحكامهم، كونهم يعلمون أن أي خطأ منهم سيكون مفضوحًا أمام المحكمة العليا، وأي تلاعب سيكون مكشوفًا أمام المحكمة العليا، وأن المحكمة العليا ستكشف مخالفاتهم وتلاعبهم وستنقض حكمهم وتعيده إليهم. سيكون قضاة الموضوع أكثر حرصًا، أكثر مهنية، أكثر أمانة وعدالة.

5.           إذا وصلنا إلى هذه المرحلة، فإنه سيكون من السهولة والبساطة مراقبة قضاة المحاكم الأدنى درجة من خلال أحكام المحكمة العليا، ومعرفة القضاة الذين تنقض أحكامهم بشكل دائم، والقضاة الذين لا تنقض أحكامهم إلا بشكل نادر. أي أن أحكام المحكمة العليا في هذه الحالة يمكن استخدامها كمعايير لتقييم القضاة على المدى المتوسط.

6.           إن بلوغ المحكمة العليا هذه المرحلة المتقدمة من الدقة والانضباط في أحكامها يجعل أحكامها مرجعية لكل المتقاضين والقضاة وكل المهتمين والباحثين، مبادئها موحدة، وأحكامها موحدة، وتطبيقها وتفسيرها للقانون موحد، ولا يختلف تطبيق القانون أو تفسيره من قضية إلى أخرى.

7.           إن بلوغ المحكمة العليا هذا المستوى من الدقة التي لا يستطيع أحد اختراقها يسهل بعد ذلك توجيه الإصلاحات إلى المحاكم الأدنى درجة.

8.           أن أحكام المحكمة العليا هي واجهة القضاء اليمني داخل اليمن وخارج اليمن، من خلال استشهاد الباحثين بأحكامها في أبحاثهم وتناولهم لاجتهاد القضاء اليمني، لأن حكم المحكمة العليا هو الذي يسبغ عليه وصف سابقة قضائية، واحتمال إلغائه نادر جدًا.

وغيرها من المبررات التي تجعلني أنصح بأن يبدأ الإصلاح من المحكمة العليا قبل أي مكان آخر.

 

v   كيف يمكن إجراء الإصلاحات في المحكمة العليا:-

يمكن إجراء إصلاحات في المحكمة العليا من خلال عدة خطوات بسيطة ولكنها فاعلة، أهمها ما يلي:

1.        عدم اعتماد معيار الأقدمية وسنوات الخدمة في تعيين قضاة المحكمة العليا، بل يجب استعمال معيار الكفاءة والنزاهة والأمانة والصرامة وعدم الخضوع للتدخلات أو المؤثرات. فالقاضي الذي اشتهر بكفاءته، وسمعته نظيفة وأنه نزيه وغني عما في أيدي الناس، ولا يسيل لعابه على الأموال، ومشهور بأداء عمله بأمانة، يقوم بواجبه ولا يتعصب ضد الخصوم، ولا يماطل في قضاياهم، والمعروف بعدم خوفه من أي جهة، ولا يقبل أي توصيات أو اتصالات من أي جهة، وأنه لا يحكمه غير القانون ولا يخضع لغير القانون، هذا هو القاضي الذي يجب تعيينه في المحكمة العليا، ويتم معرفة تحقق هذه المعايير فيه من خلال مراجعة عمله في المحاكم الأدنى درجة، ومراجعة عينات من أحكامه، والتقصي عن سمعته عند القضاة والمحامين، وهل سبق أن ثارت حوله شبهة الميل في قضائه لأي سبب؟ وهل يوجد له سجل مخالفات مسلكية؟ وهل كان منضبطًا...الخ، وذلك خلال آخر ثلاث سنوات من عمله.

2.         عدم الاعتماد على المكافآت التي تصرف لقضاة المحكمة العليا بناءً على عدد الملفات التي ينجزونها في الشهر. حاليًا، يحصل كل قاضي في المحكمة العليا على مبلغ مالي عن كل ملف أنجزه خلال الشهر، علاوة على الراتب الذي يحصلون عليه. هذا النظام يجعل القضاة يفكرون بالكم وليس بالكيف، فالقاضي سيحرص على إنجاز أكبر عدد من الملفات للحصول على أكبر عائد. والأفضل من ذلك هو:

·       مضاعفة رواتب قضاة المحكمة العليا ضعفين أو ثلاثة أضعاف أو أربعة أضعاف، بحيث يجعلهم في غنى عما في أيدي الناس، ويجعلهم في غنى عن الدخول في قضايا خارجية أو تحكيم خارجي. وزيادة مرتباتهم لن تكلف الدولة إلا شيئًا يسيرًا، فعددهم محصور، خلاف من ينادي لمضاعفة رواتب كل أعضاء السلطة القضائية دفعة واحدة، فهذا يعني مضاعفة الميزانية كلها دفعة واحدة. فالمبالغ التي تصرف كمكافآت يتم جمعها وتضاف إلى مرتباتهم كجزء منه، بصرف النظر عن عدد الملفات التي أنجزها كل قاضي.

·       توفير المساكن الملائمة لقضاة المحكمة العليا الذين يسكنون في بيوت إيجار، وتوفير مساكن لهم وتمليكهم هذه المساكن.

·       توفير تأمين صحي لهم ولأسرهم، وكفالة تعليم أبنائهم في المدارس مجانًا.

·       توفير المناخ الملائم لقضاة المحكمة العليا لإنجاز أعمالهم.

3.        إنشاء دائرة رقابة وتفتيش داخل المحكمة العليا، تكون دائرة من دوائر المحكمة العليا، تتكون من أكثر القضاة كفاءة وأمانة، يكون دورها مراجعة أحكام الدوائر الأخرى قبل إصدارها، كأن يتم مراجعة عينات عشوائية من أحكام كل دائرة يوميًا أو أسبوعيًا.

4.        إنشاء نظام دقيق داخل المحكمة العليا يتحكم بتوزيع الملفات بشكل منظم لا يمكن اختراقه أو التلاعب به، بحيث لا يستطيع أي موظف أو أي قاضي أن يختار هو الدائرة التي تنظر القضية، وإنما النظام الآلي الإلكتروني هو الذي يوزع القضية على الدوائر، ولا يستطيع أحد التلاعب به، لا يستطيع أي قاضي اختيار الدائرة (أ) أو الدائرة (ب).

5.        عمل تدوير سنوي لأمناء سر الدوائر في المحكمة العليا، بحيث ينقل أمين السر من دائرة إلى أخرى سنويًا، وتدوير سنوي للموظفين، بحيث يعاد توزيع من كان موظفًا في قسم المعلومات إلى قسم آخر من أقسام المحكمة العليا.

6.        ربط جميع الدوائر بالمكتب الفني بالمحكمة العليا حتى لا تتصادم ولا تتناقض المبادئ القضائية التي تتضمنها أحكام العليا.

7.        منح عمل المحكمة العليا قدرًا كافيًا من السرية والكتمان، بحيث لا يسمح لأي قاضي الاطلاع على أعمال دائرة غير التي يعمل بها، ولا يسمح لأي موظف الاطلاع على أعمال قسم غير الذي يعمل فيه.

8.        وضع نظام صارم يفصل بين عمل التفتيش القضائي وعمل المحكمة العليا، بحيث يمنع منعًا باتًا طرح أي حكم محل طعن أمام المحكمة العليا للدراسة والتقييم أمام هيئة التفتيش القضائي.

9.        إجراء تدوير دوري وإعادة توزيع لأعضاء دوائر المحكمة العليا، بحيث يتم نقل أي عضو من أعضاء أي دائرة إلى دائرة أخرى في أي وقت، وينقل آخر من دائرة أخرى إلى مكانه بشكل عشوائي ودوري مستمر، لضمان عدم وجود أي حرص من أي قاضي لنظر قضايا بعينها، وغيرها من الإجراءات...

 

أخيرًا، أؤكد لجميع السادة القضاة والقراء أن هذا المقال ليس له أي بواعث سوى الحرص على النهوض بواقع أداء القضاء اليمني، وأننا نقدر الجهود التي يبذلها كل سادتنا القضاة بكافة المحاكم وكافة المستويات، ونسأل الله أن يوفقنا وإياهم إلى كل خير.

 

 

ودمتم برعاية الله

 

القاضي مازن الشيباني

١٩ فبراير ٢٠٢٥

التصنيفات:

إرسال تعليق

0 تعليقات
* Please Don't Spam Here. All the Comments are Reviewed by Admin.

فضلاً وليس أمراً
اترك تعليقاً هنا

فضلاً وليس أمراً
اترك تعليقاً هنا

إرسال تعليق (0)

#buttons=( أقبل ! ) #days=(20)

يستخدم موقعنا ملفات تعريف الارتباط لتعزيز تجربتك. لمعرفة المزيد
Accept !