حجية أحكام التحكيم القديمة

0

 

حجية أحكام التحكيم القديمة

يحدث كثيرًا في النزاعات المنظورة أمام القضاء أن يستدل أحد أطراف الخصومة بحكم تحكيم قديم سابق لصدور قانون التحكيم.. وكثير من أحكام التحكيم القديمة تثور حولها شبهات حول وجود الحيلة والتواطؤ بقصد ترتيب مراكز قانونية معينة، مثل أن يُبنى حكم التحكيم القديم على يمين من المدعي دون طلبها من الخصم، أو يُبنى على إقرار من المدعى عليه بقصد ترتيب آثار معينة في مواجهة الغير الذي ليس طرفًا في حكم التحكيم لكن موضوع حكم التحكيم مشترك بين المحكوم عليه وبين الغير اشتراكًا غير قابل للتجزئة.



·       وفي هذا المقال الموجز والمختصر نقدم للقراء الكرام الآلية التي يجب أن تتعامل بها محكمة الموضوع مع حكم التحكيم القديم: حكم التحكيم القديم الذي يكون تاريخه قديمًا والذي يستدل به أحد الأطراف في خصومة أمام القضاء كسند للدفع بسبق الفصل يجب أن تناقشه محكمة الموضوع من أربع نواحٍ:

·       الناحية الأولى: صحة صدوره

·       الناحية الثانية: اتفاقه مع أحكام الشريعة الإسلامية والنظام العام

·       الناحية الثالثة: فوات حق الادعاء ببطلانه.

·       الناحية الرابعة: نطاق حجيته موضوعًا وأشخاصًا

v  بالنسبة للناحية الأولى:

يُعتبر حكم التحكيم محررًا عرفيًا يقبل الإنكار، وعلى المتمسك به إثبات صحة صدوره ممن نُسب إليه وصدر منه كمحكم، وذلك أنه يخضع لحكم الفقرة ٣ من نص المادة ١٠٣ من قانون الإثبات باعتباره محررًا مكتوبًا بخط الغير وليس موقعًا عليه من الخصم، ويكون إثبات هذه الطائفة من المحررات وفقًا لنص المادة ١٠٦ من قانون الإثبات. ولا يجوز للمحكمة الاكتفاء بإقرار الخصم بصحة حكم التحكيم، كون النزاع قد يكون القصد منه تأكيد حكم تحكيم مصطنع بحكم قضائي للاستدلال به بمواجهة الغير في موضوع لا يقبل التجزئة، وسنبين معنى (موضوع لا يقبل التجزئة) في الفقرات التالية.

v  وبالنسبة للناحية الثانية:

·       يُنظر إلى صحة إجراءاته من حيث وجود اتفاق تحكيم، وعدم وجود اتفاق تحكيم مكتوب يعني عدم جواز تنفيذ حكم التحكيم وفقًا لنص المادة (٥٩) من قانون التحكيم، فإذا لم توجد صورة من اتفاق التحكيم فلا يكون حكم التحكيم قابلًا للتنفيذ، وإذا كان غير قابل للتنفيذ فإنه لا يقبل الاحتجاج به، حتى ولو كان تقريريًا. فوجود صورة من وثيقة التحكيم هو الأمر الوحيد الذي يثبت وجود ولاية للمحكم، وعدم وجود صورة من وثيقة التحكيم قرينة على عدم ولاية المحكم الذي أصدره.

·       قد يقول قائل: إنه في الزمن القديم لم تكن تُكتب وثيقة التحكيم، والرد على ذلك أن وجود حكم تحكيم مكتوب يعني بالضرورة وجود تحكيم مكتوب، وقد يكون حكم التحكيم نفسه متضمنًا وثيقة التحكيم، كأن يرد في بدايته (حضر الطرف الأول فلان والطرف الثاني علان وحكموا الأخ فلان وفي الموقف ادعى فلان بكذا.. إلخ) أي أن وثيقة واحدة تتضمن اتفاق التحكيم وحكم المحكم، وهذا أمر جائز.

·       كما يلزم أن تكون إجراءات المحكم والنتيجة التي توصل إليها لا تخالف النظام العام ولا الشريعة الإسلامية، فإذا وُجد في الإجراءات أو في الحكم ما يخالف النظام العام أو الشريعة الإسلامية فلا يُعمل به. ولذلك أجاز قانون التحكيم في المادة ٥٥ منه لمحكمة الاستئناف أن تقضي ببطلان حكم التحكيم ولو دون دعوى بطلان إذا تبين لها أن حكم التحكيم مخالف للشريعة الإسلامية وللنظام العام.

·       ومن صور مخالفة الشريعة الإسلامية والنظام العام أن يحكم المحكم بناءً على يمين حاسمة من المدعي دون أن يطلبها المدعى عليه، أو بناءً على يمين من الوكيل بالخصومة، أو أن يكون الحكم معلقًا أو مشروطًا بأمر يعود لأحد الخصوم وليس حاسمًا للخصومة. فإن لم يكن حاسمًا للخصومة فلا عبرة به، عملًا بنص المادة ١٣ مرافعات التي نصت بالقول: ((لا يجوز للمحكمة أن تفتح نزاعًا حُسم بحكم قائم صادر من ذي ولاية أو من محكم)). فالنص اشترط الحسم بقوله (حُسم بحكم قائم)، فإن لم يكن الحكم حاسمًا، بأن كان معلقًا أو مشروطًا، فلا يصح سندًا للدفع بسبق الفصل.

v  والناحية الثالثة:

·       تعني أن تتحقق المحكمة من أن الخصوم قد علموا بحكم التحكيم في وقته وحينه، وحصلوا على صور من حكم التحكيم في وقته وحينه، وأنهم اقتنعوا به أو فوتوا حقهم بالطعن به وفقًا للتشريعات التي كانت سارية وقت صدوره. وأما إن كان حكم التحكيم سابقًا على وجود التشريعات التي تنظم إجراءات وطرق الطعن، فيُعتبر تاريخ الاستدلال بحكم التحكيم هو تاريخ العلم به ما لم يثبت المتمسك بحكم التحكيم علم الطرف الآخر، وفق نص المادة (١٠٩) من قانون الإثبات، كأن يُقدَّم المتمسك بحكم التحكيم حكمًا قضائيًا قديمًا بين أصول الطرفين أشار لحكم التحكيم في مضمونه، وهذا وفقًا لنصوص المادة ١٠٨ و١٠٩ من قانون الإثبات.

v  أما الناحية الرابعة:

فتعني أن تتحقق المحكمة من حجية الحكم من الناحيتين الموضوعية والشخصية.

·       الناحية الموضوعية: تعني أن تتحقق المحكمة أن موضوع النزاع المطروح أمامها هو نفس الموضوع الذي حسمه حكم التحكيم القديم.

·       الناحية الشخصية: تعني أن تتحقق المحكمة من أن أطراف النزاع أمامها هم أطراف حكم التحكيم أنفسهم، إما بأشخاصهم أو أصولهم.

فإذا كان المحتج عليه بحكم التحكيم ليس طرفًا هو أو أحد أصوله في حكم التحكيم، فلا حجية لحكم التحكيم في مواجهته، ولو كان الموضوع غير قابل للتجزئة.

ولتوضيح الصورة بشأن الموضوع الذي لا يقبل التجزئة نضرب مثالًا بسيطًا:

·       ثلاثة إخوة يملكون أرضًا زراعية على الشيوع بينهم أثلاثًا. ثار نزاع بين أحد الثلاثة الإخوة وبين طرف أجنبي بشأن رهق الأرض، وتم اللجوء للتحكيم، وكان التحكيم بين أحد الثلاثة الإخوة وبين هذا الطرف الأجنبي. ثم صدر حكم التحكيم بين الأخ المذكور وبين الطرف الأجنبي، هذا الحكم لا حجية له بمواجهة أخويه الاثنين ولا خلفهم من بعدهم في إثبات أو نفي ملكهم في الرهق، حتى ولو كان حكم التحكيم قد قضى أن ملك الثلاثة الإخوة لا يوجد له رهق.

·       فهذا لا حجية له في مواجهة الإخوة الذين لم يكونوا طرفًا في حكم التحكيم القديم ولا حجة على فروعهم، ولا يكون كافيًا لإثبات عدم وجود رهق لملكهم، فالثلاثة الإخوة رغم أن ملكهم واحد في الأرض وهي بينهم أثلاثًا، فإن حكم الرهق لأحدهم هو نفس الحكم للآخر.

·       فإذا صدر حكم ضد أحدهم يقول إنه لا يوجد رهق لملكه، فإن المنطق يقول إن أخويه الاثنين لا يوجد لملكهم رهق، كون ملكهم يقع في نفس الموضع، ولا يُعقل أن يكون جزء من الموضع له رهق والجزء الآخر ليس له رهق وهو موضع واحد.

·       لكن هنا، حتى وإن كان الموضوع لا يقبل التجزئة، فلا يكون لحكم التحكيم حجية في من لم يكن طرفًا فيه من المعنيين بالأمر، بل إن الأدلة التي وردت في متن حكم التحكيم كشهادة الشهود والمستندات لا تُعتبر حجة عليهم إلا بعد طرحها بمواجهتهم وإعطائهم حق الدفاع بشأنها والرد عليها، فإن قدموا ما ينفيها فلا عَمل بتلك الشهادة والمستندات التي تضمنها حكم التحكيم، وإن عجزوا عن ذلك أُخذ بها.

v  هذه الأربع النواحي يجب على محكمة الموضوع مراعاتها عندما يُطرح أمامها حكم تحكيم قديم يُستدل به طرف من الأطراف قبل الآخر كسند للدفع بسبق الفصل، ويتعين الحرص قدر الإمكان في الاستدلال بأحكام التحكيم القديمة، فبعضها مفتعل، وبعضها مبني على تواطؤ، وبعضها مخالف للشريعة الإسلامية والنظام العام، وقلة قليلة منها تكون صالحة للاعتماد عليها والاكتفاء بها.

ودمتم برعاية الله                        ٢١ يوليو ٢٠٢٥                 القاضي مازن الشيباني

التصنيفات:

إرسال تعليق

0 تعليقات
* Please Don't Spam Here. All the Comments are Reviewed by Admin.

فضلاً وليس أمراً
اترك تعليقاً هنا

فضلاً وليس أمراً
اترك تعليقاً هنا

إرسال تعليق (0)

#buttons=( أقبل ! ) #days=(20)

يستخدم موقعنا ملفات تعريف الارتباط لتعزيز تجربتك. لمعرفة المزيد
Accept !