تُعد الشهادة من أهم وسائل الإثبات التي يعتمد عليها القضاء في حماية الحقوق والفصل في المنازعات، غير أن بعض الشهادات تثير إشكالات قانونية وفقهية بسبب وجود علاقة مصلحة أو تبعية بين الشاهد وأحد أطراف الدعوى. ومن أبرز هذه الصور شهادة العامل أو الأجير لصاحب العمل، وهي من المسائل التي حظيت باهتمام واسع لدى الفقهاء والقضاء نظراً لما قد يحيط بها من شبهة التأثير على حياد الشاهد واستقلال إرادته.
وتبرز أهمية هذه المسألة في الدعاوى المدنية والتجارية والعمالية، حيث قد يكون العامل شاهداً على وقائع جوهرية تتعلق بصاحب العمل، الأمر الذي يثير التساؤل حول مدى قبول شهادته وحجيتها في الإثبات.
مفهوم شهادة العامل لصاحب العمل
يقصد بشهادة العامل لصاحب العمل أن يؤدي العامل أو الأجير شهادة أمام القضاء أو جهة التحقيق لصالح الشخص الذي يعمل لديه أو تربطه به علاقة عمل وتبعية وظيفية.
وتختلف هذه الشهادة عن شهادة الشخص الأجنبي الذي لا تربطه بأحد الخصوم أي مصلحة أو منفعة، إذ إن العامل قد يتأثر بعلاقة العمل القائمة وما يترتب عليها من مصالح مالية أو وظيفية، وهو ما دفع الفقهاء إلى بحث مدى تأثير هذه العلاقة على قبول الشهادة.
موقف الفقه الإسلامي من شهادة العامل لصاحب العمل
تناول فقهاء الشريعة الإسلامية مسألة شهادة الأجير الخاص لصاحب العمل ضمن الأحكام المتعلقة بالشهادة والتهمة والمصلحة، وذهب جمهور الفقهاء إلى عدم قبول هذه الشهادة متى كانت علاقة العمل قائمة وتترتب عليها شبهة جلب منفعة أو دفع ضرر.
وقد أكد الإمام الشوكاني أن شهادة الأجير الخاص لصاحب العمل لا تقبل لوجود التهمة، لأن الأجير قد يجلب لنفسه نفعاً أو يدفع عنها ضرراً من خلال شهادته، وهو ما يؤثر في حياد الشاهد ويضعف الثقة بأقواله.
كما ذهب إلى هذا الرأي عدد كبير من الفقهاء، ومنهم الإمام الشافعي والإمام الهادي وغيرهما، ونُقل الإجماع على عدم قبول شهادة الأجير الخاص لصاحب العمل عند وجود شبهة المصلحة.
وأشار الإمام ابن الأمير الصنعاني إلى أن سبب المنع يرجع إلى قيام شبهة المنفعة والمصلحة التي قد تؤثر في موضوعية الشاهد واستقلاله، وهو الاتجاه الذي أكدته كذلك الدراسات الفقهية المعاصرة والمراجع الفقهية المتخصصة.
رأي المالكية في شهادة العامل لصاحب العمل
خالف فقهاء المالكية رأي الجمهور في هذه المسألة، حيث أجازوا شهادة الأجير الخاص لصاحب العمل متى توافرت فيه شروط العدالة والأمانة والصدق.
غير أنهم استثنوا من ذلك الحالات التي تقوم فيها عداوة أو خصومة تؤثر في الشهادة، إذ إن العداوة تعد سبباً للطعن في حياد الشاهد ومصداقيته.
وبذلك فإن المذهب المالكي يتوسع في قبول الشهادة مقارنة برأي جمهور الفقهاء الذين جعلوا مجرد قيام علاقة العمل سبباً كافياً لقيام شبهة التهمة.
شهادة العامل لصاحب العمل في قانون الإثبات اليمني
لم يتضمن قانون الإثبات اليمني نصاً صريحاً يمنع شهادة العامل أو الموظف لصاحب العمل، إلا أنه وضع قاعدة عامة تنطبق على هذه الحالة وغيرها من الحالات المشابهة.
فقد نصت المادة (27) من قانون الإثبات على اشتراط ألا يجر الشاهد لنفسه نفعاً أو يدفع عنها ضرراً.
وتعد هذه القاعدة من أهم الضوابط القانونية التي تحكم قبول الشهادة، لأنها تستهدف ضمان حياد الشاهد وابتعاده عن المصالح الشخصية التي قد تؤثر في صدق أقواله.
ومن خلال هذا النص يمكن القول إن شهادة العامل لصاحب العمل قد تكون غير مقبولة إذا تبين للمحكمة أن العامل يحقق من شهادته منفعة خاصة أو يتجنب بها ضرراً قد يلحقه.
أسباب عدم قبول شهادة العامل عند وجود المصلحة
تستند فكرة عدم قبول شهادة العامل لصاحب العمل إلى مجموعة من الاعتبارات القانونية والعملية، من أهمها:
وجود علاقة تبعية بين العامل وصاحب العمل
تقوم علاقة العمل بطبيعتها على التبعية والإشراف، مما قد يجعل العامل حريصاً على إرضاء صاحب العمل أو المحافظة على مركزه الوظيفي.
احتمال تأثر العامل بسلطة صاحب العمل
قد يخشى العامل فقدان وظيفته أو مزاياه المالية إذا أدلى بشهادة لا تتفق مع مصلحة صاحب العمل، الأمر الذي قد يؤثر في حياده واستقلاله.
إمكانية تحقيق منفعة شخصية
قد يترتب على شهادة العامل تحقيق مكاسب مستقبلية له أو المحافظة على امتيازات قائمة، وهو ما يدخل ضمن صور جر النفع للنفس التي تمنع قبول الشهادة.
سلطة المحكمة في تقدير شهادة العامل
يترك القانون اليمني تقدير مدى تأثير المصلحة أو التبعية على الشهادة لمحكمة الموضوع، باعتبارها الجهة المختصة بتقييم الأدلة والوقوف على ظروف الدعوى وملابساتها.
فإذا تبين للمحكمة أن العامل لا يحقق من شهادته أي منفعة شخصية ولا يدفع بها ضرراً عن نفسه، وأن شهادته جاءت منسجمة مع بقية الأدلة والقرائن، فقد تأخذ بها ضمن عناصر الإثبات المطروحة أمامها.
أما إذا ظهر للمحكمة وجود مصلحة مباشرة أو غير مباشرة للعامل في نتيجة النزاع، فإن ذلك يضعف من قيمة الشهادة وقد يؤدي إلى استبعادها أو عدم التعويل عليها.


فضلاً وليس أمراً
اترك تعليقاً هنا