الولاية على وقف القراءة في القانون اليمني
يُعد وقف القراءة أو وقف تلاوة القرآن الكريم من أكثر أنواع الأوقاف انتشاراً في اليمن، وهو وقف يخصص فيه الواقف مالاً أو عقاراً لله تعالى، على أن تُصرف عائداته وغلاته على من يتولى قراءة القرآن الكريم وإهداء ثواب التلاوة إلى روح الواقف أو أرواح أسلافه وذريته وغيرهم.
وتبرز أهمية هذا النوع من الأوقاف في ارتباطه بعبادة تلاوة القرآن الكريم واستمرار الانتفاع من الوقف عبر الأجيال، الأمر الذي يثير العديد من المسائل القانونية والشرعية المتعلقة بصحة الوقف وإدارته والولاية عليه وتحديد المستحقين لعائداته.
مفهوم وقف القراءة
وقف القراءة هو الوقف الذي يشترط فيه الواقف تخصيص عائدات الأموال الموقوفة للقراء الذين يتلون القرآن الكريم وفق الشروط المحددة في وثيقة الوقف. ويقوم المتولي أو الناظر على الوقف بإدارة الأموال الموقوفة والمحافظة عليها وتنميتها، إضافة إلى تحصيل غلاتها وصرفها على المستحقين.
وغالباً ما يحدد الواقف في وثيقة الوقفية الشخص الذي يتولى إدارة الوقف، وقد ينص على انتقال الولاية بعده إلى الأرشد من ذريته جيلاً بعد جيل وفقاً للشروط الواردة في الوقفية.
الأساس الشرعي والقانوني للولاية على وقف القراءة
إذا عين الواقف متولياً أو ناظراً على وقف القراءة في وثيقة الوقف، وجب الالتزام بهذا التعيين احتراماً لإرادة الواقف، تطبيقاً للقاعدة الفقهية المشهورة: "شرط الواقف كنص الشارع" ما دام الشرط لا يخالف أحكام الشريعة الإسلامية أو نصوص القانون.
وقد أكدت المحكمة العليا اليمنية هذا المبدأ في عدد من أحكامها، معتبرة أن ثبوت الولاية على الوقف وفقاً لما ورد في وثيقة الوقفية يوجب احترامها والعمل بمقتضاها.
حكم وقف القراءة لما تيسر من القرآن الكريم
نصت المادة (36) من قانون الوقف اليمني على عدم صحة الوقف الذي يكون على الوارث مقابل قراءة ما تيسر من القرآن الكريم، وذلك لأن هذا النوع من الوقف يترك مقدار القراءة لإرادة الموقوف عليه دون تحديد، مما قد يفتح باب التحايل على أحكام الوقف.
أما إذا حدد الواقف مقداراً معيناً للقراءة، كقراءة جزء يومي أو نصف جزء أو سورة محددة أو ختمة شهرية أو سنوية، فإن الوقف يكون صحيحاً وفقاً لمفهوم النص القانوني.
الوقف على تلاوة القرآن الكريم بصورة مطلقة
يكون الوقف صحيحاً إذا نص الواقف على تخصيص عائدات الوقف لتلاوة القرآن الكريم بصورة عامة دون تحديد شخص معين أو أشخاص محددين للقيام بالتلاوة.
وفي هذه الحالة تصرف غلات الوقف لكل من يقوم بتلاوة القرآن الكريم وفقاً لشروط الوقف، سواء كان من ذرية الواقف أو من غيرهم، وتخصص كامل عائدات الوقف لهذا الغرض.
وقد نصت المادة (37) من قانون الوقف اليمني على صحة الوقف بالتلاوة المطلقة، مع تخصيص كامل غلة الوقف للموقوف عليهم.
الوقف على تلاوة القرآن لشخص أو أشخاص معينين
يجوز للواقف أن يعين شخصاً أو مجموعة أشخاص لتلاوة القرآن الكريم في وثيقة الوقف، سواء كانوا من ورثته أو من غيرهم.
وفي هذه الصورة لا يستحق المعينون كامل عائدات الوقف، وإنما يستحقون أجرة المثل مقابل التلاوة، بينما يعود المتبقي من الغلة إلى الورثة وفقاً لما نص عليه قانون الوقف اليمني.
الخلاف الفقهي حول إهداء ثواب قراءة القرآن للميت
اختلف الفقهاء حول حكم إهداء ثواب قراءة القرآن الكريم إلى روح الميت على عدة أقوال:
الرأي الأول: عدم الجواز مطلقاً
يرى أصحاب هذا القول أن قراءة القرآن عبادة بدنية محضة لا تقبل النيابة، وبالتالي لا يجوز إهداء ثوابها للغير أو الاستئجار عليها.
الرأي الثاني: الجواز إذا كان القارئ من ذرية الواقف
ذهب بعض العلماء إلى جواز إهداء ثواب القراءة إذا كان القارئ من ذرية الواقف، باعتبار أن عمل الذرية من كسب آبائهم.
الرأي الثالث: الجواز مطلقاً
وهو رأي جمهور الفقهاء الذين أجازوا إهداء ثواب قراءة القرآن للميت سواء كان القارئ من ذريته أو من غيرهم، قياساً على مشروعية الدعاء والاستغفار للأموات.
من هو المتولي على وقف القراءة؟
المتولي أو الناظر على وقف القراءة هو الشخص المكلف بإدارة الوقف والمحافظة على أصوله وتنميتها وصرف عائداته وفقاً لشروط الواقف.
وقد يكون المتولي من ذرية الواقف أو من غيرهم، ويشترط فيه توافر الأمانة والكفاءة والصلاحية الشرعية والقانونية لإدارة الوقف.
وعندما ينص الواقف على أن الولاية تكون للأرشد من ذريته، فإن المقصود بالأرشد هو الأوفر رشداً وصلاحاً وأمانة وقدرة على إدارة الوقف.
الولاية على وقف القراءة عند عدم تعيين الناظر
إذا لم يعين الواقف ناظراً أو متولياً في وثيقة الوقف، فإن الولاية على الوقف تنتقل إلى الجهات المختصة بالأوقاف العامة، باعتبارها الجهة المسؤولة عن إدارة الأوقاف والمحافظة عليها.
الحيل القانونية في وقف القراءة
أشار قانون الوقف اليمني إلى بعض صور التحايل التي قد تقع في وقف القراءة، ومن أبرزها تخصيص الوقف لبعض الورثة مقابل قراءة سور قصيرة أو مقدار يسير من القرآن الكريم بقصد تمليكهم عائدات الوقف بصورة غير مباشرة.
وتعد هذه الصور مخالفة لمقاصد الوقف الشرعية والقانونية، لأن الأصل في الوقف أن تكون العين الموقوفة محبوسة لله تعالى وأن يوجه ريعها للغرض الوقفي المشروع.
صحة الأوقاف القديمة الخاصة بوقف القراءة
حرص المشرع اليمني على استقرار الأوضاع القانونية القائمة قبل صدور قانون الوقف، لذلك نصت المادة (46) من قانون الوقف على استمرار صحة بعض الأوقاف القديمة ولو لم تتفق مع الشروط الجديدة.
وتبقى الأوقاف القديمة صحيحة في الحالات الآتية:
إذا صدر حكم قضائي نهائي بصحتها.
إذا رضي الورثة بها أو أقروا العمل بمقتضاها.
إذا مضى عليها أربعون عاماً قبل صدور قانون الوقف اليمني.
خاتمة
تمثل الولاية على وقف القراءة إحدى المسائل المهمة في فقه الوقف والقانون اليمني، نظراً لارتباطها بإدارة الأوقاف القرآنية والمحافظة على مقاصد الواقفين. وقد حرص قانون الوقف اليمني على تنظيم هذا النوع من الأوقاف من خلال تحديد شروط صحته، وبيان أحكام الولاية عليه، ومعالجة صور التحايل المحتملة، بما يحقق التوازن بين احترام إرادة الواقف وضمان سلامة إدارة الوقف واستمرار الانتفاع به للأجيال المتعاقبة.

فضلاً وليس أمراً
اترك تعليقاً هنا