امتناع الوارث عن تسليم فصول الورثة الآخرين وأثره القانوني في القسمة الشرعية
تُعد فصول القسمة من أهم الوثائق القانونية التي تترتب على قسمة التركة بين الورثة، إذ تمثل السند الذي يحدد نصيب كل وارث على حدة ويثبت ملكيته للأموال التي آلت إليه بموجب القسمة. وتبرز أهمية هذه الفصول في تمكين كل وارث من استلام حصته والانتفاع بها والتصرف فيها باعتباره مالكاً مستقلاً لها بعد انتهاء حالة الشيوع في التركة.
وتثور العديد من المنازعات عندما يمتنع أحد الورثة أو القائم على إجراءات القسمة عن تسليم فصول بقية الورثة، الأمر الذي يثير تساؤلات قانونية حول مدى تأثير هذا الامتناع على صحة القسمة والحقوق المترتبة للورثة.
ماهية فصول القسمة
يقصد بفصل القسمة الوثيقة التي تتضمن نصيب كل وارث من أموال التركة بعد تقسيمها وفرزها بين الورثة. ويُحرر الفصل بعد استكمال إجراءات القسمة وتحديد الأنصبة، بحيث يصبح لكل وارث وثيقة مستقلة تبين الأموال التي آلت إليه وحدودها وأوصافها ومساحاتها ومواقعها.
وتتضمن فصول القسمة بيان الإجراءات التي تمت قبل إعدادها، بالإضافة إلى موافقة الورثة وتوقيعاتهم وتوقيع القسام أو الجهة التي تولت إجراء القسمة.
أهمية تسليم فصول القسمة للورثة
لا تكتمل الآثار العملية للقسمة بمجرد تحرير الفصول، بل يتعين تسليم كل وارث الفصل الخاص به حتى يتمكن من معرفة حقوقه وممارسة سلطاته القانونية على الأموال التي خصصت له.
ويترتب على استلام الفصل تمكين الوارث من المطالبة بتمييز حصته واستلامها وحيازتها والانتفاع بها والتصرف فيها بكافة التصرفات القانونية باعتباره مالكاً مستقلاً لها.
ولهذا فإن تسليم الفصول يعد مرحلة أساسية من مراحل تنفيذ القسمة وتحقيق الغاية المرجوة منها.
هل يؤدي عدم تسليم الفصول إلى بطلان القسمة؟
الأصل أن امتناع أحد الورثة عن تسليم فصول بقية الورثة لا يؤدي إلى بطلان القسمة إذا كانت القسمة قد تمت بصورة صحيحة واتفق عليها الورثة أو ثبتت قانوناً.
فالقسمة تبقى صحيحة ومنتجة لآثارها القانونية، غير أن المحكمة تملك إلزام الممتنع بتسليم الفصول واستكمال الإجراءات اللازمة لتنفيذ القسمة وتمكين كل وارث من استلام نصيبه.
وقد استقر القضاء على أن النزاع المتعلق بحجز الفصول أو الامتناع عن تسليمها لا يمس أصل القسمة متى ثبت وقوعها، وإنما يتعلق بتنفيذ آثارها واستكمال إجراءاتها.
من يتولى تحرير فصول القسمة؟
تختلف الجهة التي تتولى تحرير فصول القسمة بحسب نوع القسمة.
في القسمة الرضائية يتفق الورثة عادة على اختيار أحدهم أو تكليف شخص مختص لإعداد وثائق القسمة وتحرير الفصول بعد حصر أموال التركة وتقييمها وتحديد أنصبة الورثة.
أما في القسمة الاختيارية التي تتم بواسطة قسام مختص، فيتولى القسام إعداد كافة وثائق القسمة بما فيها الفصول، مع ضرورة الاتفاق المسبق على الأجور وآلية العمل ومدة التنفيذ وطريقة تسليم الفصول للورثة.
وفي القسمة القضائية الجبرية يتولى القاضي الإشراف على إجراءات القسمة وتحديد الأشخاص المكلفين بإعداد الوثائق والفصول، مع بيان مهامهم والمدة المحددة لإنجازها.
متى يتم تحرير فصول القسمة؟
يتم إعداد الفصول بعد الانتهاء من حصر أموال التركة وتحديد أنصبة الورثة والتوصل إلى اتفاق بشأن توزيع الأموال أو إجراء القرعة عند الحاجة.
وبعد تحديد نصيب كل وارث بصورة نهائية يتم تحرير فصل مستقل يبين الأموال التي آلت إليه نتيجة القسمة، وبذلك تنتهي مرحلة تحديد الأنصبة وتبدأ مرحلة التنفيذ والتسليم.
وقت تسليم الفصول وآثاره القانونية
يجب تسليم كل وارث الفصل الخاص به فور الانتهاء من تحرير الفصول والتوقيع عليها، لأن تأخير التسليم يؤدي إلى تعطيل الحقوق الناشئة عن القسمة.
ويترتب على استلام الفصل حق الوارث في المطالبة بتمييز حصته واستلامها، كما يترتب عليه حقه في الانتفاع بالأموال والتصرف فيها ورفع أي دعاوى تتعلق بحمايتها أو استردادها.
أما حجز الفصول أو الامتناع عن تسليمها فيؤدي إلى تعطيل تنفيذ القسمة وإعاقة استفادة الورثة من حقوقهم المقررة شرعاً وقانوناً.
الدلالة القانونية لاستلام الوارث لفصله
يحمل استلام الوارث لفصل القسمة عدة آثار قانونية مهمة، من أبرزها العلم بنتيجة القسمة وتحديد الأموال التي آلت إليه.
كما يعد استلام الفصل دون اعتراض قرينة على قبول الوارث بما ورد فيه وقبوله لإجراءات القسمة التي سبقت تحريره، ما لم يثبت وجود سبب قانوني يبرر الطعن في القسمة أو الاعتراض عليها.
كذلك يكتسب الوارث بموجب الفصل الحق في حيازة الأموال المخصصة له واستغلالها والتصرف فيها باعتباره مالكاً مستقلاً لها.
المسؤولية القانونية عن احتجاز فصول القسمة
يترتب على احتجاز فصول القسمة أو الامتناع عن تسليمها مسؤولية قانونية إذا تسبب ذلك في إلحاق ضرر بالورثة.
فالفصل يمثل وثيقة الملكية التي تمكن الوارث من استلام نصيبه والانتفاع به، وبالتالي فإن حرمانه من الفصل قد يؤدي إلى فوات منافع مالية أو تعطيل استثمار أمواله أو منعه من التصرف فيها.
وعلى هذا الأساس يكون الشخص الذي يحتجز الفصل مسؤولاً عن الأضرار والخسائر التي تلحق بالوارث نتيجة عدم تمكينه من حقوقه المقررة بموجب القسمة.
الخاتمة
تُعد فصول القسمة الركيزة الأساسية لتنفيذ قسمة التركات وإنهاء حالة الشيوع بين الورثة، إذ تحدد نصيب كل وارث وتمكنه من ممارسة حقوقه القانونية على الأموال التي آلت إليه. ورغم أن امتناع أحد الورثة عن تسليم الفصول لا يؤدي إلى بطلان القسمة، إلا أنه يشكل عائقاً أمام تنفيذها واستفادة الورثة من حقوقهم، الأمر الذي يبرر تدخل القضاء لإلزام الممتنع بالتسليم وتعويض المتضررين عند الاقتضاء، بما يضمن حماية الحقوق وتحقيق العدالة بين الورثة.

فضلاً وليس أمراً
اترك تعليقاً هنا