إشكالات تدوير القضاة في المحكمة الواحدة ️
بعض المحاكم التي يكون فيها عدد القضاة فوق
الخمسة القضاة يتفاجأ المتقاضون والمحامون بحصول تدوير مفاجئ للقضاة داخل المحكمة وإعادة
توزيع القضايا بينهم من قبل رئيس المحكمة إما بسبب نقل بعض القضاة أو تعيين قضاة جدد
أو فقط لمجرد التغيير والتبديل.
·
القاضي الشخصي يتم تحويله إلى قاضي مدني.
·
والقاضي المدني يتم تحويله إلى قاضي جزائي.
·
والقاضي الجزائي يتحول قاضي شخصي.
ويعتقد البعض أن هذا التدوير يعني فقط أن
ينتقل القاضي من مكتبه هذا إلى مكتب القاضي المجاور ويباشر نظر القضايا من ساعته، وما
يعرف المشاكل التي تحدث بسبب هذا التدوير.
مشاكل تعقد القضاة وتعقد قضايا المواطنين
ويحصل ارتباك وتأخير قضايا المواطنين بسبب المشاكل التي تحدث مع هذا التدوير.
1. أول مشكلة أنه يمضي
شهر كامل والقضاة والموظفون مشغولون بعملية التخلية والتسليم، وبعض القضاة يجلس رافضًا
يستلم الملفات ويحضر يجلس بمكتبه ويرفض تغيير القسم الذي ينظره من الدعاوى، ويستمر
بنظر القضايا التي ينظرها من سابق. القاضي المكلّف كبديل عنه قد قام بتسليم ملفاته،
وتجلس ملفات الناس مطروحة داخل الدواليب بدون تحديد جلسات والمواطنون سارحون راجعون
ينتظرون متى ستحدد لهم جلسة. وبعد أخذ ورد وموافقة أن يحل كل قاضٍ مكان الآخر بعد شهر
أحيانًا بالكاد تكتمل عملية الاستلام والتسليم.
2. وبعدها تواجه هذه
العملية المشكلة الثانية وهي إعادة توزيع أيام الدوام بين القضاة. فالقضاة لا يداومون
في المحكمة جميعهم دفعة واحدة بسبب النقص في القاعات والمكاتب، فيتم توزيع أيام الدوام:
بعضهم يداوم السبت والأحد والاثنين، وبعضهم الأحد والثلاثاء والأربعاء، وبعضهم السبت
والاثنين والأربعاء وهكذا. وبعد إعادة توزيع القضايا بين القضاة فإن القاضي الذي كان
يعمل بالقسم المدني وانتقل للقسم الجزائي كان متعودًا أنه يداوم الاثنين والثلاثاء
والأربعاء مثلًا. ولما تحول إلى قاضي جزائي يطلبون منه يغير دوامه إلى أيام السبت والأحد
والاثنين مثلًا لعدة أسباب منها أن عضو النيابة لا يستطيع الحضور أيام الثلاثاء والأربعاء،
وأن المحابيس يجيبوهم من المركزي أيام السبت والأحد ... إلخ. والقاضي يرفض تغيير دوامه،
وبعد مراشاة واتصالات ووساطات يرجع يوافق، ويحصل لخبطة وارتباك في إعادة تنظيم العمل
في المحكمة، فقد يحضر القاضي للمحكمة لعقد جلساته ويتفاجأ أن كل القاعات مشغولة ولا
توجد قاعة أو مكتب يعقد فيه الجلسات، وحينها يكتشف أن هناك تعارضًا في دوامه مع القضاة
الآخرين نتيجة عدم التنسيق المسبق، وبعد أن يتم معالجة هذه المشكلة تكون هناك مشكلة
جديدة.
3. المشكلة الثالثة:
وهي تحديد مواعيد جلسات للقضايا وإعادة جدولتها، فكل قضية بحاجة إلى تحديد موعد، بسبب
تغيير القاضي الذي ينظرها، وقد يتم تحديد موعد الجلسات آليًا، وقد تجلس الملفات مرمية
ولا تحدد جلسة إلا لمن حضر من الخصوم يطلب تحديد جلسة، وهكذا يحدث تسريب ملفات خارج
جدول أعمال المحكمة، إما سهوًا أو لعدم حضور صاحب الشأن للمتابعة، وبعد مدة قد تصل
إلى خمسة أشهر يكتشف القاضي أن هناك ملفات محسوبة عليه لم تُجدول لها أي جلسة، ولم
تُستبعد ولم تُشطب وهي جامدة في مكانها، وتُقيد القرارات في النظام بالترحيل الإداري.
4. المشكلة الرابعة:
هي أن كل قضية الآن تعتبر بحاجة إلى إعادة إعلان للمدعى عليه من جديد بالجلسة، وقد
يكون المدعى عليهم عشرة أشخاص أو عشرون أو ثلاثون شخصًا، بعضهم له محامٍ يمكن إعلان
محاميه، وبعضهم ليس له محامٍ، وهناك متدخلون ومدخلون، وكل واحد منهم في مكان وكل واحد
بحاجة إلى إعلان جديد، وهذا يعني أن يتكبد المدعي عناء وغرامة الإعلانات مرة أخرى،
ويُرهق ويُغرم ويتابع ويلاحق أولًا لأجل كتابة الإعلانات، وبعدين يلاحق تنفيذ الإعلانات
وهذا إعلان صحيح وهذا إعلان باطل ... إلخ.
5. إن كل قاضٍ داخل
المحكمة في هذه المرحلة تعتبر كل الملفات التي أمامه جديدة عليه، لا يعرف ماذا داخلها،
ما هي الدعوى، ما هو موضوعها، ما طلباتها، ما آخر إجراء فيها، وهذا يعني أن القاضي
استلم من ثلاثمائة إلى أربعمائة ملف وقضية كلها جديدة عليه، ولا يعرف أطرافها وصورهم
وأشكالهم، ما يعني أنه يجب على القاضي في أول جلسة يعقدها بكل قضية من هذه القضايا
أن يثبت أسماء الأطراف وبطائقهم الشخصية وإثبات هوياتهم، وشغلة طويلة عريضة.
6. المشكلة السادسة:
أن بعض الناس كانت قضاياهم جاهزة للحكم، لم يبقَ إلا إقفال باب المرافعة وإصدار الحكم
فقط، وبسبب هذا التدوير ترجع قضيته تتأخر ستة أشهر أو سنة، تجي تقول للقاضي: قضيتي
جاهزة أنا مكتفٍ، يرد القاضي: أنا لا أعرف ماذا داخل الملف .. ضروري أطلع .. ويتأجل
الاطلاع بسبب تزاحم ملفات الاطلاع على القاضي .. وقد يأتي القاضي له رؤية مختلفة عن
القاضي الذي قبله ويرى أن القضية يجب أن تسير بطريق آخر ويحول مسار القضية ويعيد الأطراف
لنقطة الصفر ويبدأ الأطراف بسم الله بشريعة جديدة. وفوق كل هذا وذاك هناك إشكالية قانونية
وهي أن هذا التدوير ليس له أصل قانوني بل ويخالف القانون، كون القاضي الذي تسلم القضية
من أولها انعقدت ولايته لنظر هذه القضية، وولايته لا تزول إلا بنقله أو بتنحيه أو رده
عن نظرها أو بإصداره حكمًا فيها، لكن أن يُسحب ملف القضية منه ويُسلم لقاضٍ آخر بدون
تنحٍ أو رد أو نقل هكذا فقط بناءً على توجيه بإعادة توزيع القضايا بين القضاة فهذه
لم نسمع بها من سابق، فالقضاة لا يجوز لهم أن يتبادلوا ملفات القضايا بينهم، ولاية
القاضي لا تزول إلا بأسباب حددها القانون، وإذا لم يتحقق سبب من هذه الأسباب فلا يجوز
أن ينتقل ملف القضية من القاضي الذي ينظره إلى قاضٍ آخر، فعلى سبيل المثال هل يجوز
لرئيس الاستئناف أن يوجه قاضي ابتدائي بتسليم ملف قضية لقاضٍ آخر دون طلب رد ودون صدور
قرار بالرد؟!
أكيد لا يجوز، فإذا كان لا يجوز لرئيس الاستئناف
ذلك فلا يجوز ذلك لرئيس المحكمة الابتدائية من باب أولى وأوجب، لذلك فإن تدوير القضايا
أمر ليس له أي سند قانوني.
لذلك يا إخوة هذه العملية أضرارها أكثر من
نفعها، تُلحق المتقاضين بأضرار بالغة واقعية وقانونية، ومثل هذه العملية تصبح مطعنًا
على الحكم الذي يصدره القاضي الجديد في القضية وقد تؤدي إلى إبطال وإلغاء الحكم ويعود
الخصوم إلى نقطة الصفر.
نأمل استيعاب ذلك.
ودمتم برعاية الله
القاضي مازن الشيباني ١٨
أغسطس ٢٠٢٥


فضلاً وليس أمراً
اترك تعليقاً هنا